عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 12 تشرين الأول 2015

عبد القادر يوسف حماد

عيسى عبد الحفيظ

جاء الى معتقل عسقلان بحكم مؤبد وهو شاب يافع واعتبره المعتقلون أخا صغيرا لهم جميعا اسمه الحركي بدران من قرية سلواد قضاء رام الله

على الرغم من صغر سنه وحجمه الا انه كان على قدر قامة الآخرين ممن يكبرونه حجما وسنا, نظرا لما تمتع به من قوة شكيمة, وعزيمة لا تلين, وشخصيته فرضت نفسها واحترامها اللازمين.

كانت أهم صفة تميز بها في المعتقل هي رغبته الجامحة في التعليم. مواظب على مجالسة من هم اكبر منه سنا وتجربة, يحفظ كل ما يقولونه ويختزنه في ذاكرته الغنية انتظارا لما ستأتي به لواحق الايام.

امتلك كل المواصفات اللازمة لاحتلال موقع تنظيمي قيادي متقدم, الا ان عصبيته ومزاجه الحاد وتشدده في الدفاع عن آرائه حالت دون ذلك, ولأنه اتخذ منحى يساريا متطرفا, وهو عضو في فتح التي لم تنحز الى اتجاه اليمين أو اليسار, معتبرة ان بوصلتها فلسطين, وأن بابها مفتوح لكل من يريد التحرير ويسعى من أجله بغض النظر عن انتمائه الايديولوجي.

شارك بدران في كل الاعتصامات والاضرابات والخطوات النضاليه التي نفذها معتقلو عسقلان ولم يتخلف مرة واحدة حتى تاريخ اطلاق سراحه في صفقة التبادل عام 1995.

عندما حدث الانشقاق عام 1983, واطلع على ادبيات المنشقين, آمن بها والتحق فورا معلنا ذلك من السجن, وبعد عامين اطلق سراحه فذهب فورا الى دمشق ليلتحق هذه المرة فعليا وعلى الأرض. كان يأمل كما قرأ وسمع انه سيعود الى سيرة الكفاح المسلح من جديد والعمل النضالي لتحرير فلسطين من النهر الى البحر!.

لم يمض على وجوده في دمشق شهر واحد حتى اكتشف زيف الادعاءات, وخطؤه الفادح بالتحاقه بهم, وكما كان مبادرا في حركة فتح, فقد بادر فورا الى الانشقاق ليقود حركة تصحيحية لاعادة الذمة الى المسار الصحيح, وقد بدأ ذلك بصياغة بيان جمع عليه تواقيع عدد هام من كوادر الحركة المنشقين, وبلغ عددهم اكثر من ستين كادرا كلهم ذوو شأن ومكانة وتاريخ نضالي.

لم يستطع بدران تحمل ما حدث له, وهو الرجل ذو المزاج الحاد, والمبادئ الراسخة, كان يأمل من الحركة التي قاتل من أجلها وقضى كل شبابه من اجلها غير ما حدث, خاصة بعد ان لمس وشاهد ان الامور التي كان يحلم بتحقيقها بعيدة بعد النجوم, وخرج بقناعة مفادها ان الرهان على نظام آخر وجهة أخرى لا تلتفع بالعلم الفلسطيني هراء, كان يؤمن ايمانا قاطعا بأنه على حق. متصلب في رأيه الى درجة التعصب. واضح وبسبب قضاء تلك المدة الطويلة في السجن لم يستطع هضم المتغيرات الاقليمية والدولية التي طرأت, فبقي على أفكاره في الستينيات. كان يريد فلسطين من النهر الى البحر غير عابئ بالموازين والتغييرات التي حدثت.

قضى بدران قبل أن يرى نتيجة جهدة المحموم, وقبل ان يصل الى النتيجة التي قضى عمره كاملا من اجلها.

غادر مبكرا كما التحق بحركة فتح مبكرا, وكما دخل المعتقل مبكرا, وكان أن ترك الحياة مبكرا.

رحم الله شهداءنا واسكنهم فسيح جنانه