"إسماعيل أحمد الدبج..."
عيسى عبد الحفيظ
من فلسطين الى كل أقطار العروبة يمتد الجرح الفلسطيني يشعر به كل مواطن عربي آمن بالوحدة المصيرية بين ابناء كل الأمة, فمن تطوان الى نجران مثلما لن تجد بلدا لم يسقط له شهداء في فلسطين. عندما كانت الجزائر تخوض حربها ضد الاستعمار الفرنسي, لم يتوان البعض منهم عن الالتحاق بصفوف المقاومة الفلسطينية في الثلاثينيات والأربعينيات, هناك تقليد مغاربي يعتبر أن مناسك الحج التي يؤدونها في مكة والمدينة ناقصة اذا لم يعرج الحاج على القدس لزيارة المسجد الأقصى ويطلقون على هذه العملية "التقديس", وبقي هذا التقليد ساريا حتى حرب حزيران 1967.
اسماعيل الدبج واحد من هؤلاء الذين كانوا يرون فلسطين عن قرب, فهو ينحدر من قريته الصغيرة التي لا تبعد عن فلسطين حيث تقع في محافظة اربد الشمالية وتجاور الحمة ونهر الاردن.
آمن اسماعيل بأن الدفاع عن قرية في المغرب الأقصى او شبه الجزيرة العربية هو دفاع عن قريته القريبة من اربد او كالدفاع عن عمان.
هذا العشق العروبي لفلسطين, وهذا الالتزام بالدفاع عنها حتى الموت, وهذا الاستعداد للعطاء دفعاه للالتحاق في صفوف الثورة الفلسطينية, فالتحق بالجبهة الشعبية- القيادة العامة – شبلا, تدرب وتعلم وتثقف, وتعرف على السلاح الذي امتشقه مع اول دورية اجتازت الحدود الى فلسطين لتشتبك مع قوة للجيش الاسرائيلي وليسقط الدبج في الأسر.
سقط الدبج اسيرا, لكن القضية لم تسقط من قلبه بل زادته تمسكا وعنادا, واعتبر أن معركته مع السجان امتداد للمعركة العسكرية التي أدت الى مواجهة مباشرة مع العدو تعتمد على قدرته على التحدي والصمود خاصة في التحقيق.
وصل الدبج الى سجن عسقلان الخاص باستقبال كبار المقاومين, وخاصة أولئك الذين جاؤوا من شرق النهر في عملياتهم العسكرية.
في عملية التبادل التي جرت عام 1979 حيث تم حجز جثتين لجنديين اسرائيليين قتلا في المعركة أثناء المواجهات في عملية الليطاني والتي انتهت باحتلال الجيش الاسرائيلي لأجزاء واسعة من جنوب لبنان, لم يجر اطلاق سراح اسماعيل الدبج رغم خروج كافة عناصر الجبهة الشعبية – القيادة العامة. لم يكن هذا الأمر عشوائيا ولا عفويا, فقد شكل ظاهرة قيادية قبل وبعد اعتقاله. يبدو أن سلطات الاحتلال رأت في استثنائه من عملية التبادل درسا لغيره من المواطنين العرب وكأنهم يبعثون رسالة مفادها "هذا مصير كل مواطن عربي يلتحم مع القضية الفلسطينية". فهم اسماعيل الدبج الرسالة, لكنها على العكس تماما من توقعات العدو, زادته اصرارا وتصميما على مواصلة المشوار الذي اختاره طواعية, بل وتجزرت عنده القضية اكثر فأكثر, والتصق بها مرسخا كل امكانياته للتحريض ضد العدو, ومؤكدا على وحدة الهدف والمصير بين أبناء الأمة العربية جمعاء.
كانت أمنية اسماعيل الدبج ان يزور كل قرى ومدن فلسطين, فهو لا يعرفها الا من خلال ما يسمعه من احاديث حول القرى والمدن والطبيعة فأحاديث السجن لا تنتهي وكل المعتقلين ليس لديهم ما يعملون سوى تبادل الأحاديث.
صديقه فازع عبد المجيد حمدان من قرية سالم الذي كان يحدثه باستمرار عن الأرض والزيتون زادته عشقا لفلسطين وأصبحت أمنيته ان يمتلك شبرا واحدا من الأرض أو شجرة زيتون واحدة يرعاها. قرر رفيقه فازع ان يحقق أمنية صديقه على الفور فطلب من ذويه تخصيص أربع شجرات زيتون مع ما يحيط بها من أرض لاسماعيل الدبج, وأن يحفر اسمه عليها.
كتب اسماعيل قصة قصيرة وهو في السجن اطلق عليها "عسقلان 2000", أي بعد حوالي ربع قرن من ذلك التاريخ يتصور فيها المعتقلين وقد بلغوا الشيخوخة, وسقطت أسنانهم, وابيضت شعورهم, وخفت حدة الرؤيا والسمع عندهم وهم يجلسون خلف الشبك الحديدي, وعلى الناحية الأخرى أقرباؤهم من جيل الشباب, والمجادلة التي تتم حول الميراث والأراضي والتنازل عن الحصص.
اطلق سراح فازع صديق اسماعيل عام 1983, وكان عليه هو ان ينتظر عامين آخرين حتى 1985 حيث التقيا في دمشق. جاءت والدة فازع من فلسطين لزيارة ابنها برفقه ابنتها عطاف, فحصل النصيب وكانت النتيجة ان الأم عادت وحدها فيما بقيت عطاف مع زوجها الجديد اسماعيل.
انتقل اسماعيل الى العلا عن عمر ناهز السادسة والخمسين تاركا خلفه ولدين وابنتين وزوجة مخلصة حملت عنه اعباء التربية بكل صدق واخلاص وعندما سئلت عن ذكرياتها مع اسماعيل, كان جوابها "ذكرياته معكم للجميع, أما ذكرياته معي فهي لي وحدي".
في كتاب تأبينه الذي حملته زوجته أم أحمد (عطاف) من دمشق, تحدث عنه أصدقاؤه باسهاب وكتبوا الكثير عن قدراته الأدبية في الكتابة وقرض الشعر, وثقافته العالية, وانسانيته ومساهمته الفعالة في مجال التثقيف والمعرفة داخل زنازين المعتقلات.
اسماعيل الدبج مثال حي على وحدة المصير بين أبناء الأمة العربية, وقدوة قومية تجسد التلاحم بين المغرب والمشرق والشمال والجنوب في خارطة العالم العربي.
رحم الله شهداءنا واسكنهم فسيح جنانه
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي