جرس الإنذار الأخير!
يحيى رباح
أعجبني كثيرا تعليق المفوضة الأوروبية للشؤون الخارجية "موغريني" على خطاب الرئيس أبو مازن امام الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم سبعين، فقد وصفت الخطاب بأنه جرس الإنذار، وأنا أضيف أنه الجرس الأخير، لأنه وسط الحالة التي تتداعى اليها الأوضاع في الشرق الأوسط، وفي المنطقة العربية على وجه الخصوص، فإنه إذا ظل كل طرف معجبا بنفسه ومستمرا على حاله، فإن الأوضاع تملك أهلية التدهور بشكل سريع ورهيب أيضا.
خطاب الرئيس أبو مازن كان مصاغا بطريقة عالية المستوى، وليس فيه رنة ضجيج واحدة، بل شرح مكثف للحالة القائمة، ومسؤولية حكومة بنيامين نتنياهو عنها، والمآل الذي قد تندفع اليه الأمور إذا لم تغير إسرائيل وجهتها بشكل جدي، وإذا لم يقم المجتمع الدولي بمسؤولياته الحقيقية، وهي مسؤوليات يبدو فيها رأس النظام الدولي الولايات المتحدة، وكأنه الغائب الكبير.
سلطة بلا سلطة، واتفاق بلا تنفيذ، وشريك فلسطيني بلا شريك إسرائيلي، لأن الاحتلال ليس هو الشريك، بل هو الشر كله، بينما المفاوض الإسرائيلي الجاد هو الشريك، وهذا المفاوض الإسرائيلي غيبه نتنياهو عن عمد ومنح كامل دورة للمستوطنين ومجالسهم وقياداتهم وللمتطرفين الإرهابيين الإسرائيليين وجمعياتهم الصغيرة والكبيرة على حد سواء.
في اليوم التالي لخطاب الرئيس أبو مازن، وفي نفس التوقيت تقريبا، وقف بنيامين نتنياهو على نفس المنصة، متقمصا دور الممثل وليس دور رئيس الوزراء المسؤول، وأعاد ترديد كلام محفوظ عن ظهر قلب، لا جديد فيه، وانه لن يحدث تغيير مطلقا في الأماكن المقدسة في القدس، في جو الاحتقان هذا ماذا لو انطلقت رصاصة بالخطأ؟ وانه مستعد للذهاب الى المفاوضات مباشرة دون أية شروط! وماذا عن الشروط التي تشترطها مثل اشتراط الاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة الإسرائيلية، ورفض أية معايير فلسطينية، أليست هذه شروط مجحفة؟
والمشكلة الكبرى في خطاب نتنياهو تكرار الهروب الى الموضوع الإيراني، والاتفاق الأميركي والدول الست مع إيران! وماذا عن الجانب الفلسطيني الذي يوجد اتفاق بينه وبين إسرائيل، ما هو مصير الاتفاق، والى أين يقود هذا التجاهل الإسرائيلي؟
الاهتمام العميق بخطاب الرئيس أبو مازن كان واسعا، وهناك إشارات قوية لحراك جديد، لكن الأسئلة تظل تتردد حول استمرار الغياب الأميركي من التدخل في فترة تتناقص بسرعة قبل أن يحل ساكن جديد في البيت الأبيض! وعن نتنياهو، هل يعود إلى إسرائيل منتشيا بأنه ادى ما عليه وليس عنده استعداد لشيء آخر! وما هو مستقبل العلاقات الوطنية الفلسطينية في ظل التصريحات الأولية التي صدرت عن حماس والجهاد الإسلامي كل على حدة ولبواعث مختلفة، وهل يبقى الحال على نفس المنوال، وهل ستظل حماس تنتظر المكافأة الإسرائيلية الموعودة على الانقسام؟ هل تظل الاطراف الفلسطينية الأخرى تحت بند المعارضة تتوهم بأن الصراخ والصوت المرتفع هو النضال بعينه؟ هذا ما سوف نعرفه بدقة حين تلتئم ورشات عمل سياسية كبيرة جدا نبلور فيها فلسطينيا كيف سننفذ قراراتنا، وكيف نحتشد حول صيغة وطنية لمواجهة المرحلة المقبلة.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي