عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 تشرين الأول 2015

حيوية «الأمم المتحدة» في الزمن الصعب

مرزوق الحلبي

تُنتج دورة الأمم المتحدة المنعقدة في مثل هذا الشهر من كل عام سلسلة من المشاهد المكثّفة التي تعكس دور هذه المنظمة الدولية في منظومة العلاقات بين الدول والشعوب، وكونها ساحة صراع بين القوى الدولية المختلفة على موارد ومواقع وسُؤدد وقرارات.

لعلّ أبرز ما يتضح لنا أنه لا تزال لهذه المنظمة حاجة يعتقد بعض علماء السياسة أنها صارت أكثر إلحاحاً وضرورة مع انتهاء الحرب الباردة وتعدد مراكز القوى وتشابك المصالح في النظام الكوني، بدلالة هذا الحجيج الجماعي لقادة الدول والمنظمات الدولية وأصحاب القضايا الكُبرى والصُغرى من شعوب ومجتمعات إلى مقرّ الهيئة وأروقتها، وهذا الكم الهائل من اللقاءات والمداولات في الهيئة وعلى هوامشها. لا تزال الهيئة بأروقتها وهوامشها مكاناً لإبرام اتفاقيات وإجراء مداولات ولحسم قضايا إقليمية أو كونية كقضية البيئة والاحتباس الحراري. ونرجح أن مكانة هذه المنظمة ومؤسساتها، لا سيما مجلس الأمن، ستتعزّز في المدى المنظور كلما تعزز «أثر الأواني المستطرقة» في العلاقات الدولية نتيجة تشابك المصالح، وهو الوجه الآخر لتناقضها.

يأتي قادة الدول الكبيرة والصغيرة إلى مقرّ الهيئة لترتيب أمور بلادهم ومصالحها/ هم. كلّ منهم يتطلّع إلى انتزاع شرعية لقضيته أو مشروعه أو تدخّله في هذا الشأن أو ذاك. فبوتين في حاجة إلى تبرير تدخّله العسكري المكثّف في سورية. والرئيس الإيراني في حاجة إلى تطوير الاتفاق مع الدول العُظمى في شأن المشروع النووي إلى شرعية غير منقوصة لحراك بلاده اقتصادياً وديبلوماسياً. والرئيس الأميركي في حاجة إلى سلسلة من اللقاءات لتبرير مشاريع واشنطن أو شرح موقفها من هذا الشأن أو ذاك. هذا يعني أن الأمم المتحدة بصيغتها الراهنة لا تزال منبع الشرعية الدولية ومصدر شرعية أنظمة ومشاريع وسياسات دولية. بل إن الدول الجديدة لا تصير دولاً إلا بعد حصولها على اعتراف من هيئة الأمم المتحدة. وهو ما يسعى الفلسطينيون إلى كسبه كجزء من خيار التدويل الذي ذهبت فيه «السلطة الوطنية» وإن بخفر.

هذا لا يعني أن كل أمور العالم تمرّ عبر هذه المؤسسة الدولية وأن الدول والحكومات ملتزمة نصاً وروحاً بقراراتها. فقد رأينا الدول الكُبرى المقتدرة تستثمر هذه الهيئة لتمرير مشاريعها أو قرارات اتضح فيما بعد أنها مدمّرة في مستوى الأثر والتطبيق، أو أنها لا تنتظر الأمم المتحدة في عدوان على دولة أخرى أو تدخل في بلد جار. ومع هذا فإن وجودها أفضل بكثير من عدمه لأنه يظلّ بمثابة جهاز كبح وضبط للقوى الدولية المتنفّذة ألا تستخدم فائض قوتها في إخضاع شعوب أو لتحقيق مصالح بطرق لا تستوي والقانون الدولي. وقد لاحظنا أن توازنات القوى في هذه الهيئة أو مؤسساتها مثل مجلس الأمن تتحول أحياناً كما في الوضع السوري إلى مُنتجة لنوع من الشلل الدولي حيال قضايا مستعصية وجرائم حرب.

لقد انبثقت من الأمم المتحدة جُملة من الأجهزة الدولية المهمة بدءاً من البند السابع في دستور مجلس الأمن الذي يحدد حالات التدخّل الدولي لفض نزاعات مسلحة ومنع إبادة شعب أو جرائم حرب وانتهاء بالمحكمة الجنائية الدولية. وهي مؤسسات ذات أهمية خاصة بالنسبة للشعوب المظلومة أو لمجتمعات تتعرّض لاضطهاد أو قمع أو ترحيل. ومع هذا، لا يزال هناك نقاش حول هذين الجهازين تحديداً. فبالنسبة للبند السابع في دستور مجلس الأمن الدولي، هناك مطالبة بتعديل هذا البند على نحو يمنع حصول ما حصل للشعب السوري أو لمسلمي البوسنة من قبل، إذ تُركوا لقمة سائغة في فم طاغية. وهناك مطالبة بتعديل ميثاق روما المتصل بالمحكمة الجنائية الدولية بحيث يتم إحكام البنود على أعناق مجرمي الحرب وتسريع عملية محاكمتهم دولياً ومقاضاتهم.

المؤسسات الدولية المعنية بالسلم أو بمنع الحروب ومقاضاة مجرمي الحرب أو بتسوية ديبلوماسية للنزاعات والصراعات أو التي تنظم عملية التدخلات لمنع اتساع رقعة حرب أو جرائم إبادة، لا تزال ضرورة دولية خاصة للشعوب الأضعف. وهناك حاجة إلى تطويرها وتعزيز قدراتها على إنجاز الدور الذي أقيمت لأجله. وهذا ممكن بمزيد من التشريعات أو المعاهدات والمواثيق ونضالات بهذا الاتجاه تقوم بها جماعات ومنظمات دولية تُعنى بهذه القضايا وتتحمل مسؤولية إيصالها إلى منزلة عُرف دولي أو معاهدة أو اتفاقية. وهو ما يحدث بقوة أنصار يوتوبيا العالم القادر على إدارة صراعاته وتصريف اختلافاته بالحوار والدبلوماسية.

عن "الحياة" اللندنية