من يشتري السعادة؟
سما حسن
في الأيام القليلة الماضية سمعت وقرأت الكثير من النداءات الداعية إلى البحث عن السعادة واقتناص فرصها لأن الموت أصبحت وسائله وطرقه كثيرة، واصبح ينشب مخالبه في الصغير قبل الكبير وقرأت "المنشورات والبوستات والتغريدات " التي تحث على ذلك.
روعتنا أحداث مكة وموسم الحج، وروعتنا ولا زالت أحداث موت وغرق اللاجئين السوريين، وأحداث الأقصى ومعركة الدفاع عنه والتي توقع كل يوم الضحايا من شهداء وجرحى.
كل هذا وغيره مما يوجع القلوب ويؤلم النفوس الباحثة عن لحظة أمان وسعادة لتأتي حادثة خلال أيام العيد وهي انهيار لعبة من ألعاب الملاهي في غزة وقد أوقعت بدورها الضحايا من الأطفال ليتحول العيد في البيوت إلى حزن وترقب نجاة.
استوقفتني حادثة الملاهي وفكرت بالأطفال الضحايا الذين خرجوا من بيوتهم للترفيه عن أنفسهم وعرفت أنهم من عائلات بسيطة وأقرباء وجيران وبأنهم غالبا بل من المؤكد قد جمعوا ما حصلوا عليه من " عيدية" وقصدوا الملاهي ليحصلوا على ساعات من اللهو وركبوا آلة الموت الأخيرة ولم يعلموا أن حلمهم سينتهي فحصار غزة الذي لم يقتلهم ولم يسنح لهم بفرصة خروج خارجها والسفر والتمتع بمناظر العالم الخارجي الذي يتخيلونه بمخيلات أجمل مما هو في الواقع.
بحث الصغار عن السعادة جعلهم ضحية لآلة موت حصدت أرواحهم وبترت أعضاءهم، لأنهم اعتقدوا ان السعادة هي انفاق العيدية مع الأصدقاء في الملاهي وركوب الألعاب الخطرة، وكأن موعد العيد يكون مرتبطا بكبسة زر داخل مشاعرنا وأحاسيسنا فعلينا أن نفرح مع مقدمه وننجر نحو كل أبواب الفرح مهما كلفتنا لأننا نملك العيدية ونغفل عن حقيقة مهمة وهي أن البحث عن أبواب السعادة يفقدها نكهتها وبريقها وطعمها وتصبح تلك السعادة الآلية التي نتحدث عنها للاصدقاء والأقارب " هييييييييي رحنا الملاهي".
قديما كانت السعادة جلسة عائلية واجتماعا في ليلة مقمرة فوق سطح الجيران وحديثا هادئا مع الأقارب عندما يزورون بيوتنا، ولكن اليوم أصبحت السعادة هي أن ننفق المال ونتفنن في شراء تذاكر الملاهي التي تم افتتاحها مؤخرا، والمطاعم التي تقدم الطعام الغربي، والمحلات التي تباع الألعاب والملابس والاكسسوارات باغلى الأسعار متتبعين لكذبة يصدقها الفقراء وهي الماركة وفروع المحلات الكبرى العالمية التي يتم افتتاحها في المدن الفقيرة البعيدة.
كفرس نهر يحشر أحدهم جسده داخل أرجوحة تعمل بالكهرباء ويضحك في بلاهة وتئن الآلة من ثقله وترتطم بالأرض معلنة انتحارها ويجاري الكبير الصغير ويلاحق السعادة ويحلق ويطير وفي النهاية لا يحصد سوى فقدان المال والوحدة والاصابات والتعب والارهاق لأن السعادة التي يبحث عنها هؤلاء لا تأتي بكبسة زر كما قلت ولا تصل مع الأعياد فالسعادة مشاعر تراكمية وليست نتاج لمسة عصا سحرية ولكي نصبح مثلا سعداء يجب ان يعود بنا الزمن مئات السنين إلى الوراء.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي