عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 21 أيلول 2015

يوم في القدس

عيسى عبد الحفيظ

من احدى محاسن الكهولة، انني استطيع الذهاب الى القدس دون تعقيدات التصاريح. كل ما علي وعلى من هم في مثل كهولتي الانتظار على حاجز قلنديا الشهير للمرور بعد ابراز البطاقة الشخصية، والخضوع لعملية التفتيش الدقيقة والتي تنزع فيها حزامك وجوالك ونقودك المعدنية وساعة اليد وعلبة السجائر والولاعة، وكل مادة تحتوي على نسبة ولو ضئيلة من المعادن.

أمر على صديقي مازن صاحب محطة لتعبئة عبوات الغاز في عطروت لأرتاح قليلاً بعد معاناة الانتظار في الصف الطويل مع حملة التصاريح وهويات القدس ممن لا يملكون سيارة شخصية أو يرافقون أحداً لا يحمل تلك الهوية الزرقاء، ومع من هم في مثل سني المتقدمة، ثم نتنفس الصعداء عندما نجتاز الاجراءات الأمنية لنصبح بعدها (أحراراً) في الذهاب الى القدس، أو حتى الى يافا وحيفا والناصرة؟

يصر صديقي مازن على ايصالي الى باب العامود بسيارته ذات اللوحة الصفراء، لأنطلق بعدها أتجول في القدس كما أشاء مع أخذ الحذر في الاقتراب من أية بقعة ذات طابع ديني يهودي كحائط البراق الغربي والذي لا يسمح أصلاً لنا نحن الفلسطينيين بالاقتراب منه، في الوقت الذي تفتح فيه بوابة باب الرحمة لغلاة المستوطنين للدخول الى ساحة الحرم القدسي الشريف؟!

كان حظي ذلك اليوم جيداً نسبياً، فقد كانت ساحات الحرم القدسي شبه خالية مما أتاح لي التأمل الهادئ والعودة بالمخيلة الى الوراء مئات السنين، مجموعة من السواح والسائحات الاجانب يتجولون ويلتقطون الصور التذكارية خاصة مع قبة الصخرة الذهبية، وفجأة تختلط الامور، دخل مستوطن واحد فقط بحراسة سبعة من رجال الشرطة المدججين بالسلاح، ثلاثة أمامه وأربعة خلفه في منظر يشبه مواكب القرون الوسطى، مستوطن ذو شكل غريب، مخيف وكأنه لم يأكل منذ سنوات، وملابسه قذرة الى درجة تثير الغثيان، أما رائحته – والعياذ بالله- فحدث ولا حرج. استطيع القول انه لم يغتسل منذ أشهر، اقترب من المجموعة فيما كان بعض الاطفال الفلسطينيين لم يتجاوز عمر اكبرهم خمس سنوات يمشون بمحاذاتهم وهم يكبرون، فيما يتبادل رجال الحراسة والمستوطن الابتسامات البلهاء، تخرج وتذهب الى كنيسة القيامة المكتظة بالحجاج الاجانب، ومنها الى جامع عمر بن الخطاب شبه الخالي من تلاميذ المدرسة الدينية الواقعة بمحاذاته مباشرة، تعود عقارب الزمن الى الوراء والعهدة العمرية السمحة معلقة على حجر مرمري تظهر سماحة الاسلام واحترامه للأديان السماوية دون تفريق، سائح أجنبي من المانيا يطلب المساعدة في بعض المعلومات عن المسجد والعهدة العمرية وقربه من كنيسة القيامة، بعد الشرح المختصر والذي يعرفه لأول مرة وبعد ترجمة العهدة العمرية، يطرح عدة أسئلة استفسارية أهمها: لماذا لا تتعامل اسرائيل معكم كما تتعاملون أنتم معنا؟ لماذا يسمح لسائح أجنبي وليس يهودياً بالمرور من البوابة الموصلة الى حاظ البراق (المبكى) ولا يسمح للمسلمين؟ صحيح أن فلسطين هي أرض الميعاد؟ أسئلة تطول ويطول شرحها، وكل ذلك ليس بشيء أمام التزوير الذي خطوه صوتاً وصورة على شاشات التلفزة المعلقة في متحف النبي داوود الواقع على الزاوية المقابلة لباب الخليل. هناك ترى وتسمع العجب العجاب. التزوير الرسمي للتاريخ برمته يقع في أروقة وقاعات ذلك المتحف الذي فرض لدخوله رسماً مادياً على كل زائر. يرافق السياح دليل صهيوني حتى النخاع مشبع بالأكاذيب والأساطير التي تمت فبركتها على مدار آلاف السنين لتلقينها للزوار الأجانب في محاولة يائسة للي عنق التاريخ في الاتجاه الذي يريدونه، وفي اثبات الأحقية التاريخية والقانونية للسطو على التاريخ وعلى نفي الآخر بل وإلغائه. من يدخل متحف داوود يصاب بالاكتئاب لأيام عديدة، فالتزوير الواضح والجلي والمبني على أساطير وعقد أزلية لا يمكن تحمله، والغريب والعجيب أنهم يعلمون ذلك تمام العلم ولكن كما كانت تردد والدتي يرحمها الله – القوي عايب!