عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 20 أيلول 2015

نزف ذاكرة

حنان باكير

يحدث أحيانا ان يمر المرء بساعات نحس متتابعة. أو يسمع أخبارا تكون سعيدة تأتيه دفعة واحدة. لكن أن يتناوب النحس والسعد، بأقل من ساعة، ليتلاعب بأعصابك ومزاجك، فهنا الغرابة. حدث ذلك ذات يوم في 1987. زمن حرب المخيمات، حين انتهى الهدوء الحذر، واشتغل القصف، وغادرنا المدرسة.

وقفت على الرصيف أرقب الوضع. زعيق سيارات الإسعاف يرعبني، اكثر من دوي الصواريخ. السيارات الزاعقة، المقبلة من اليمين، تحمل دمي النازف، والمقبلة من اليسار تحمل ايضا دمي النازف. بدا كل شيء أحمر قاني بلون المخيم. السائل الرطب برائحة الدم، أحسسته يسيل على كامل جسدي. يا دم المخيم، كيف نزفت من شراييني!

أسرعت، أدرت محرك سيارتي. بعد تجاوزي منطقة الاونيسكو، ابتعد صوت القذائف، فهدأ شيء في داخلي. سرت الهوينا، أمام صخرة الروشة، انتشيت بهواء بحري، لا يحمل رائحة الدم. فسمحت لرئتي بالتمدد لأبعد مدى تستطيعانه. أنهيت شارع الروشة، نزولا صوب الحمام العسكري. لم تأخذني النشوة بعيدا، زحمة سير وتجمهر للناس، اتضح لي سببه، كانت جثة رجل أجنبي، سال دمه الى وسط الشارع مختلطا بماء المطر. ضربتني قشعريرة، لم أشعر ان كانت باردة أم ساخنة، فقط شعرت بحاجة للتقيؤ. لكني حاذرت أن أدهس الدم الساخن.

تابعت سيري دقائق قليلة، كان قوس قزح، بألوان واضحة، يشق سماء رصاصية. يقال إن قوس قزح، هو وعد الرب للإنسان، بأن يكون طوفان نوح هو الأخير، في تاريخ البشرية. ركنت السيارة، ووقفت على الرصيف أملي نظري بالوعد الذي لم يصدق. شربت كأس سحلب ساخن، فاستعدت بعض سلام داخلي.

من موقف السيارات، حيث كنت أركن سيارتي، سمعت عويلا وصراخا. عامل قتل بضربة جرافة تعمل في ورشة بناء مجاورة لبيتي. نواح وعويل الثكالى، أكثر إثارة للمشاعر الحزينة من الموت. عاد التعكر يغمر مزاجي. وصلت البيت أخيرا، من بيت الدرج، تناهى الى سمعي، صوت بيانو هادىء، تلعبه ابنتي. فاستعدت بعضا من هدوء مرهق.. لم أقاطعها، فقط تبعثرت على الكنبة، لأطبق عيني قليلا على بعض الموسيقى، فأتجنب مشهدا مزعجا حان دوره الان. لحظة تسللُ النوم الى الجسد، أجمل من النوم نفسه.

هل كانت ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا، ومشاهدتي لمراسم احياء ذكراها، وانا أحاول كتابة تغريدة، هي من نبش ذكرى ذلك اليوم، وأعادتني الى السنوات الفاصلة ما بين سنة الاجتياح، العام 1982، والذكرى الخمسينية للنكبة! كثر لا يعلمون، أن المقبرة الجماعية، التي وحدت الدم العربي، كانت في تلك السنوات، مكب نفايات! أمر مدهش بلا شك. لكنها الحقيقة، كانت مكب نفايات، ومكبا للخضار والفاكهة التالفة، لكل البسطات والعربات التي تبيعها، والمزدحمة في تلك المنطقة. لم نكن نعلم، أن الاعتذار للشهداء، بإزالة القمامة عن وجوههم، يحتاج الى جهود مضنية، وصعوبات تصل حد التهديد من قبل احدى المليشيات.

رحلات مكوكية بين الدوائر، ودعم كبير من رئيس بلدية الغبيري الحاج سعيد الخنسا، تمكنت شركة التنظيف "سوكلين" من إزالة تلال القمامة، التي أخذت مكان الورود. حركة فتح قامت ببناء سور وبوابة للمقبرة، وغرست الأشجار والأعشاب. النصب المتواضع، كان تقدمة رئيس بلدية الغبيري.

حانت الذكرى الخمسينية للنكبة، التي تلت عملية التنظيف، دعا الكاتب اللبناني/ الفلسطيني الهوى الياس خوري، الى مسيرة شموع صامتة. كانت المسيرة، مسائية ومكرسة للصمت والحزن والشموع.