هل نتنياهو عدو المسجد الأقصى الوحيد؟
بكر أبو بكر
وقف نتنياهو ليقول (كيف يجرؤون– يقصد الفلسطينيين والأمة العربية والاسلامية– ألا يعترفوا بالقدس عاصمة "إسرائيل", نحن هنا منذ 3 آلاف عام!) وكذب على نفسه وأتباعه وعلى العالم والتاريخ فلم يكن هو (ذو الأصل البولندي) ولا إسرائيليو اليوم ذوو الأصول الآسيوية والأوروبية لأي منهم أو أجدادهم حتى الجد الأول البعيد إن كانوا هنا قطعيا, وما كانت (قدسنا) عاصمة شيء اسمه (إسرائيل) قط سواء السابقة أو الكيان الحالي، وليس له أو لغيره علاقة بهذه الأرض لا من 3000 عام ولا 100 عام, كما لا علاقة وراثية- جينية له، ولا "أنثروبولوجية" ولا قومية ولا تاريخية بقبيلة أو بني (إسرائيل) القبيلة العربية اليمنية القديمة المنقرضة التي عاشت صعودها وهبوطها في حيز جغرافي آخر.
وبالغ بتسويق الأكاذيب حيث تساوقت معه أميركا مؤخرا بالادعاء أن الأقصى هو "جبل الهيكل" الذي لم يُستدل بحبة رمل واحدة على وجوده لا تاريخيا ولا بعلم الحفريات في القدس أو غيرها من فلسطين.
إذن نتنياهو يتكئ على التاريخ المزور (أثبت عدم صحة هذا "التاريخ/ الخراريف" أجانب وعرب واسرائيليون، ومنهم علماء الآثار اليهود أنفسهم إلى الدرجة التي وصف فيها "فنكلستاين" بعض الأسفار أنها أساطير لا حظ لها من الحقيقة، لينكر التاريخ التوراتي بغالبه زميله في جامعة تل أبيب عالم الآثار هرتزوغ) ليستخدمه في حربه ضد مخالفيه، وضد الأقصى وضد الإسلام ذاته.
نتنياهو الذي يستخدم أطروحة القدس عاصمته الأبدية ومنذ القديم كما يدعي يستخدم أيضا بشكل متلازم أطروحتين أخريين: الأولى أنه السياج الآمن الذي يصد الإرهاب (الإسلامي) المستفحل في المنطقة متناسيا أنه السبب الرئيس في "إرهاب" وكفاح المنطقة والعالم، كما يضع أطروحة الرخاء والتقدم والعلم والديمقراطية لكيانه ليستجدي تصنيفه ضمن دول الغرب، لا ضمن المحيط.
إن (نتنياهو) الذي يدفع مستوطنيه المحتلين أرضنا وعصاباته الاجرامية ومن هم على يمينه ليعيثوا فسادا في القدس وفلسطين يفعل ذلك للأسباب التالية:
1. يدغدغ مشاعر التيار الصهيوني الأميركي الموهوم لحد السيطرة بأساطير وخرافات التوراة التاريخية.
2. يوطد أركان حكومته اليمينية المهتزة؛ علّه يثبت يوميا استحقاقه لصفة ملك (اسرائيل).
3. يخاطب الجمهور الاسرائيلي- الذي بسياساته وتهيئته المناخ الانفلاتي المتطرف له– بدأ يتجه بسرعة الصاروخ نحو العنصرية والتطرف والإرهاب.
4. يحاول (نتنياهو) باطروحاته الثلاث (أن القدس وفلسطين له، وأنه الحائط ضد الإرهاب "الإسلامي"، وأنه رسول العِلم والديمقراطية الغربية في الشرق الأوسط) أن يجترح مبررا لاستمرار احتلاله للضفة وغزة والقدس في ظل سقوط المبرر السياسي بتنصّلاته التي أفشلت كل المفاوضات, وفي ظل سقوط المبرر القانوني لما يسميه خداعا (يهودا والسامرة) أو لتملكه أراضي فلسطين عبر البلطجة والسرقة والقوة، وأيضا لأنه أوجع أيما وجع من اتهمه بالإرهاب بعد حروب غزة الثلاث، وممارساته البشعة في الضفة، ومن المقاطعة الأوروبية ونتيجة سياسة الرئيس أبو مازن الناجحة دوليا في عزل حكومته العنصرية.
5. نتنياهو الذي يهوّن من الشأن الفلسطيني في خطاباته للعالم ويعظّم من الشأن الايراني فيعيد احتلال القدس يبغي بوضوح إسقاط حل الدولتين نهائيا وللأبد لصالح (سيناريوهات/ بدائل) أخرى، بل وإسقاط فلسطين من الخريطة السياسية والجغرافية معا.
لم يكن نتنياهو ليختط مثل هذه السياسة إلا لرؤية لديه فهو ليس مغفّلا أو غبيا أو هاويا، وهذه الرؤية العنصرية الاحتلالية التي تتداخل فيها الخرافات التي تهدف لما سبق وذكرناه من حربه علينا وعلى الأمة وعلى الأقصى تدعمها لديه عوامل:
1. سقوط الأمة العربية لسبب انهيار الإقليم، وتصدُر مشاريع إعادة تقسيمه وتجزئته وإضعافه للأبد.
2. انفكاك العرب عن القضية الفلسطينية قسرا، أو طوعا لاختلاف الأولويات، فيقدّم نفسه صديقا لمعتدلي العرب ضد الآخرين، وخاصة عدوه الأكبر ايران.
3. يتلاعب بالفكرة والتاريخ ويبيع أوهامه لجمهور إسرائيلي متحمس لذلك ومتشرب للأساطير (والطامة الكبرى أن جمهورا عربيا يؤمن ببعض أساطيره التوراتية).
4. يستند للحائط اليهودي في أميركا الذي ما زال يدعمه ممثلا بـ (الايباك).
5. يجهد لإيجاد ثغرة في الجدار الأوروبي الذي أصبح يراه معاديا له بقوة.
إن ما يقوم به نتنياهو وحكومته وعصاباته جميعا سواء في غزة أو القدس أو الضفة هو التدمير الشامل لإرساء الحل المبني على ما يؤسسه من واقع؛ لذا فإنه في القدس قد يصل بإجراءاته لتقسيم الأقصى زمانيا ومكانيا بسهولة في ظل صمت الأمة وتراجع الإقليم ما يدركه جيدا، وبتسريعه لهذا الفعل هو يستدرج ردة فعل فلسطينية عنيفة مسلّحة عشوائية ليُراكب اتهاماته للفلسطينيين بالإرهاب فيتحلل ويتخفف من بعض الضوابط الخارجية التي مازال يحسب لها حسابا، في الانفلات الكامل ضد فلسطين والفلسطينيين.
لقد دمرت انتفاضة أبطال فلسطين والقدس المستمرة من عدة شهور كل أحلام (نتنياهو) وأتباعه حتى الآن, إلا أن (الجيوش تسير على بطونها) ودون إضاءة قناديل القدس من الأمة العربية والإسلامية في موقف جاد يستلزمها إعادة الهيبة لمسرى الرسول ومقر عمر بن الخطاب فإن الساعة لا تتوقف عن دق أجراسها والأعداء سيتكاثرون، ولن نجد أمامنا إلا الخراب.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي