التحول الاميركي الخطير
عمر حلمي الغول
قبل ايام قليلة قال لي احد الاصدقاء، ان احد الدبلوماسيين الاجانب سجل عتبا على كتاب الاعمدة في الصحافة الفلسطينية، لانهم يهاجمون الولايات المتحدة، ما يعطي مادة تحريضية لاركان الحكومة إسرائيلية للتحريض على السلطة الوطنية؛ لأنها (الحكومة) تحمل المواد وتلقي بها في وجوهنا. كان الرد من الصديق، ان حرية التعبير مكفولة للجميع خاصة كتاب الصحافة الذين لم يكتبوا إلا ردا على السياسات الاميركية المنحازة لاسرائيل.
المؤكد ان معشر الفلسطينيين من مختلف الوان الطيف السياسي والثقافي، يرغبون بعلاقات ايجابية ومتميزة مع الولايات المتحدة وإداراتها المختلفة، ولا يوجد عند اي فلسطيني موقف عدائي مسبق من الشعب الاميركي ومؤسساته التنفيذية والتشريعية والقضائية. ولكن الادارات الاميركية من اربعينيات القرن الماضي وحتى يوم الدنيا هذا، وهي تنتهج سياسات معادية ومتناقضة مع مصالح الشعب الفلسطيني واهدافه الوطنية. وكانت اميركا من اوائل الدول، التي اعترفت باسرائيل، وعملت بوسائل مختلفة معلنة وسرية على طمس الحقوق السياسية الفلسطينية. وهي اول من طرح خيار التوطين للاجئين الفلسطينيين في عام 1955/ مشروع جونسون في سيناء. وهناك آلاف المواقف اليومية، التي اعلنتها واتخذتها الادارات الاميركية الجمهورية والديمقراطية المتعاقبة ضد حرية واستقلال وعودة الشعب الفلسطيني، وبالمقابل آلاف من المواقف الداعمة والمساندة دون تردد وبشكل سافر وفاجر لدولة التطهير العرقي الاسرائيلية. ولم يخش قادة اميركا طيلة العقود الماضية عن التأكيد المفرط والاستفزازي على التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، وتقديم عشرات المليارات من الدولارات الاميركية لها، ودعمها بكل الوان الاسلحة الجوية والبرية والبحرية والصاروخية والجرثومية والكيميائية، ومساندتها بشكل فاضح في المنابر الاممية، وتهديد الدول في حال اتخذت مواقف منسجمة مع قرارات الشرعية الدولية في دعم الحق الفلسطيني، واستخدام حق النقض الفيتو أكثر من اربعين مرة ضد مشاريع القرارات الدولية في مجلس الامن الرافضة للانتهاكات والجرائم والممارسات الاستعمارية الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة، والداعمة لخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، ... إلخ.
ولم تقف السياسات الاميركية عند حدود ما تقدم، بل تتجه راهنا نحو مرحلة أكثر خطورة على مستقبل ومصير القضية الفلسطينية وخيار السلام، تتمثل بتبنٍ كامل للرواية الصهيونية المتطرفة تجاه المسجد الاقصى، حيث اعلن جون كيربي، الناطق باسم الخارجية يوم الاثنين الماضي الموافق 14 ايلول الحالي في بيان فاضح القاه على الصحفيين حول الاقتحامات الوحشية لقطعان المستعمرين الاسرائيليين لباحات المسجد الاقصى بقيادة وزراء حكومة نتنياهو، كوزير الزراعة اريئيل، وغيره، عندما الصق بالمسجد الاقصى اسم "جبل الهيكل"؟؟؟؟!! اضف الى دعوته "جميع الاطراف" لوقف التصعيد دون تمييز، ودون تحديد من هو الجلاد؟ ومن هو الضحية؟ مساويا بينهما. والنقطة الاخيرة، ليست المرة الاولى، التي تحاول ادارة اوباما تضليل الرأي العام الاميركي والعالمي بشأن الصراع. لكنها المرة الاولى، التي تلصق الولايات المتحدة المسجد الاقصى بما تدعيه حكومات إسرائيل المعادية للسلام باعتباره "جبل الهيكل". وهو ما يستدعي موقفا وطنيا يضع النقاط على الحروف في هذا الاطار وكذلك من الاشقاء العرب ومن الدول الاسلامية وكل انصار السلام في العالم تجاه الادارة الاميركية دون تردد او تلعثم او خشية من اية نتائج، لاسيما وان مثل هذا التحول، يتطلب ردا يتناسب مع خطورته على مستقبل السلام وحل الدولتين. لان اميركا بذلك تعطي حكومة نتنياهو الحق في تدمير المسجد الاقصى، وكخطوة تمهيدية، تمنحها الحق في التقسيم الزماني والمكاني لاولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. بالتالي دفع المنطقة نحو دوامة الحروب والفوضى غير المنظمة.
امام هذا المشهد، هل مطلوب من الفلسطينيين الشعب واصحاب الرأي والقيادة، إبقاء الرأس الوطنية في الرمال؟ هل مطلوب منهم ان يغمضوا اعينهم عن التساوق الاميركي الخطير مع حكومات دولة الاحتلال والعدوان الاسرائيلية؟ ولماذا لا ينبه الدبلوماسيون الاصدقاء إدارتهم للاخطار التي تحملها السياسة الرسمية الاميركية على عملية السلام؟ ولماذا على الفلسطيني ان يخشى تحريض إسرائيل؟ هل إسرائيل الاستعمارية معنية بالسلام حتى نخشى تحريضها؟.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي