أعطني حبا وحنانا
سما حسن
هل اعتبرها أما قاسية؟
قالت لي صديقتي وهي أم لاربعة اطفال انها تراني أسرف في تدليل أولادي وأنهم قد تجاوزوا سن الدلال، وقالت لي انها تخشى أن تصبح مثلي بل تخشى أن يرى أولادها طريقة معاملتي لأولادي لكي لا يطالبونها بأن تعاملهم مثلما أعامل أولادي.
لها رأيها المختلف تماما فهي تراهم كبارا رغم أن أكبرهم لم يتجاوز المرحلة الابتدائية وعليهم أن يتحملوا الحياة القاسية من حولهم، فأبيهم بلا عمل وهي كذلك ويعتاشون من الصدقات والمؤسسات الخيرية، ولذلك فهي قد سمحت لابنها الأكبر أن يخرج لسوق الخضار ويقف مع أحد الباعة مناديا كـ" دلال" على البضاعة فيضيع صوته الغض وسط زحام وضجة السوق وهو ينادي: نعنع.. بقدونس.. جرجير.
تريده أن يتحمل المسؤولية وحين يعود آخر النهار إلى البيت فهي لا تحني ظهرها قليلا لتتفحص جرحا صغيرا أصاب أصبع قدمه اليسرى بل تطلب منه سريعا أن يغسله بالماء ثم يلفه بخرقة صغيرة ويخلد إلى النوم.
قالت لي إنها بذلك تعلمهم أن يكونوا رجالا في مواجهة حياة لا ترحم، وأنها حين تراني أقف طول النهار من أجل راحة أولادي ولا أريد منهم سوى التفرغ لدروسهم فانني أرتكب خطأ جسيما سأجني عواقبه لاحقا.
اسلوبي في التعامل مع أولادي تراه ناعما طريا لا يصلح لأبناء هذا الجيل وهي تقلدني ساخرة في طريقة مخاطبتي لأولادي فكل خطاب تسبقه عبارة بعينها، وكل نصيحة أو ارشاد أو خوف أو لهفة تسبقة العبارة عينها وهي: يا حبيبي يا ماما، فتضحك ملء شدقيها وتنقلها لصاحباتها متهكمة بأني لا أجيد التعامل مع أولاد هذا الجيل المتراخي الاتكالي وأن علي أن أكون جافة معهم وأتركهم يتدبرون كل شيء في حياتهم من صغيرها لكبيرها وأنني لا يجب أن أودعهم حتى باب البيت مكللين بالدعوات والأمنيات والارشادات قبل خروجهم.
قالت لي ضاحكة من خلال الهاتف: بالأمس ايقظتني ابنتي الصغيرة من عز نومي، فقد كان هناك خيط من الدماء يتسرب من أنفها بسبب الحر الشديد، وكدت أنهض من نومي لأسعفها ولكني وجدت أنها سوف تعتاد هذه المعاملة مني، وأنني سأصبح صورة منك, فزجرتها وطلبت منها أن تغسل أنفها بالماء جيدا تحت الصنبور وتركتها تذهب إلى الحمام في الظلام وحدها وطلبت منها وأنا أعاود النوم بصوت خشن حتى تتأكد أنني لن اسعفها أن تحشو أنفها بورق الفاين أو قطعة قطن تجدها في كيس صغير على رف المطبخ.
فكرت كثيرا في طريقتها واسلوبها ووجدت أنها تبالغ في اهمالها وفي نفس الوقت فأنا ابالغ في عنايتي واهتمامي بأولادي، وتذكرت مداعبة الرسول لسبطيه الحسن والحسين، واستعذت من الشيطان الرجيم أن يوسوس لي لكي أصبح مثل صديقتي التي تستعيذ من الشيطان الرجيم أيضا أن تصبح مثلي.
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي