عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 14 أيلول 2015

ألغام على طريق الفلسطينيين !

عماد شقور

اكتب هنا عن الغام حقيقية، من معادن ومواد متفجرة قاتلة، يمكن ان تنفجر في اية لحظة، وتعطي لصحف فلسطين (وربما غيرها)، عنوان عدد اليوم التالي، وتوفر لها صورة دموية لضحايا فلسطينين جدد، "تزيّن" بها صدر صفحتها الاولى.

ليس الكلام هنا مجازا. انه كلام عن واقعٍ معلن، شاهدَته آلاف عيون مسؤولين فلسطينيين (ومرافقيهم!!)، اللذين يفترض ان تكون احدى اولى وابسط مهامهم "إماطة الأذى عن الطريق" الذي يسلكه الناس، حيث بفضلهم اصبح هؤلاء "المسؤولين" على ما هم عليه.

هذا الاذى معلن صراحة، وباللغات الثلاث المعتمدة منذ عهد الانتداب البريطاني لفلسطين: الانجليزية ثم العربية ثم العبرية، حسب ما هو مثبّت على الجنيه الفلسطيني، وان كان قد تغير الترتيب بفعل الاحتلال الاسرائيلي، لتصبح اللغة العبرية اولا، تليها الانجليزية، ولتأتي العربية (لغة المستعمَر) بعد لغتي السيدين!.

وحتى لا افسح مجالا لاتهام بالتّجني، ارفق مع كلمات هذا المقال صورة فوتوغرافية ليافطة، التقطتها عدسة هاتفي النقال، تقول كلمات اليافطة باللغة العربية: "خطر! منطقة ملغومة ممنوع السير في الطرق الترابية"،علما بان النَّصين باللغتين، العبرية والانجليزية مختلف قليلا، حيث يفيد بالعبرية عن "شك بالغام"،  وفي الانجليزية عن "احتمالية وجود الغام".

هذه اليافطة المثيرة ليست مثبّتة على ارض منطقة حدودية، معرّضة لخطر "تسلل مخربين" عبرها لتنفيذ عمليات "تخريبية". وهي ليست مثبّتة عند منطقة نائية غير مطروقة. انها مثبّتة على طريق عام. وليس طريقا عاما عاديا، انه طريق رئيسي وحيد ، يربط شمال الضفة الغربية (هي "ضفة" لنهر مسروق !)، بجنوبها؛ يربط جنين ومحافظتها بطولكرم ونابلس ورام الله والقدس وبيت لحم والخليل.

اذ بعد الخروج من مدينة جنين، وصولا الى مفرق عرابة جنين (لتمييزها عن عرابة البطوف، التي انطلق منها القائد الاستقلالي الفلسطيني والعربي الاول، ظاهر العمر الزيداني، في مطلع القرن الثامن عشر)، تصل بك المركبة بعد نحو مئتي متر لا اكثر، الى هذه اليافطة.

هذه الحقيقة، حقيقة تثبيت هذه اليافطة على هذا الطريق، قريبة الى هذا الحد، من مناطق مأهولة الى هذا الحد، تحول الامر من مسألة مثيرة الى مسألة مشينة. واذا كانت عيون الاف المسؤولين ( ومرافقيهم وسائقيهم!!)، كليلة الى هذا الحد، فان هذا دليل فاقع الوضوح على ان وضعنا الذاتي، الفلسطيني، مشين ومأساوي.

واستبق كل من قد يقول ان اسرائيل هي المسؤولة، بردي الواضح الصريح: لست ممن يطلبون ( او يأملون) الرأفة بالفلسطينيين من اسرائيل. فالاحتلال هو العدو، والغبي هو من يطلب الرحمة من العدو.

وبعيدا عن كل المزايدات الكاذبة المقيتة، فان اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف، بل وتحرير فلسطين من البحر الى النهر ( المسروق)، لا يتعارض، في اعتقادي(!)، مع "اماطة الاذى" عن طريق رئيسي يربط شمال الضفة الغربية بجنوبها.

" اماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ( حديث نبوي شريف، رواه مسلم، الحديث رقم 1668، ورواه ابو داوود، الحديث رقم 1285.)، وفي حديث نبوي شريف آخر "الايمان بضع وستون شعبة، اعلاها قول لا اله الا الله، وادناها اماطة الاذى عن الطريق"، (رواه البخاري، الحديث رقم 9، ورواه مسلم، الحديث رقم 152).

ليست قضية معرفة من زرع هذه الالغام صعبة، فهي واحدة من جهات اربع فقط لا غير: العثمانيون،الانتداب البريطاني، الاردن او اسرائيل. وكذلك ليس صعبا ايضا إلزام الجهة التي زرعت هذه الالغام بكشف خريطتها، حتى لو استدعى الامر استصدار قرار ملزِمٍ من مجلس الامن، وذلك امر ممكن، وبسهولة.

 بقاء هذه الالغام عيب. هذا مشين. هذا دور الاحتلال، وليس دور الساعين لدحر الاحتلال.