عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 31 تشرين الأول 2018

أغاني لوركا.. دفاعاً عن الشِعر والجمال إزاء الطغيان وبشاعة الحروب.

عماد الدين موسى
تبدو قصيدة الشاعر الإسباني فدريكو غارثيا لوركا أقرب إلى مشهدٍ حقيقيّ مأخوذٍ بعنايةٍ وشاعريّة من الطبيعة الإسبانيّة، وتحديداً تلك الطبيعة الريفيّة الخلّابة، والتي تكاد أن تكون مزيجاً ساحراً من ثنائي "الواقع" و"الخيال" في الآنِ معاً؛ "أشجار سرو"، "حور"، "دفلى"، "دغل"، "قصب"، "ضياء القمر"، "النهر"، "الغصن"، "السهل"، "حقل قمح"، "الراعي"، وغيرها من المُفردات والعبارات نجدها تتكرّر في قصيدته، وهو ما يؤكّد صدق انتمائها إلى براءة الريف ونقائه.
في ديوانه "الأغاني"، الصادر مؤخراً في طبعته العربيّة عن دار الفراشة (الكويت 2018)، وبترجمة الشاعر والمُترجم العراقي البارع عبد الهادي سعدون؛ يتقمّص لوركا روح الأغنية الغجريّة، تلك الأهازيج الحميمة بصفائها ورقّتها وسلاسة تلقيها؛ سواء من جهة العبارةِ المُنتقاة والمحبوكة بإتقان، أو من حيثُ الأجواء والتعابير التي يتم تناولها.
في قصيدة بعنوان (هلال)، ثمّة وصفٌ عذبٌ لقمرٍ يتوسّط سماء خياليّة، قمرٌ يسيرُ دونَ توقّف، إلى أنْ يفضي إلى "مرآةٍ" صغيرة، بينما اللغة تغدو نقيّة أكثر ممّا ينبغي، حيثُ يقول: "يمضي القمرُ إلى المياه./ يا للسماءِ الصاحية!/ ليحصُدَ بتأنٍّ/ رعشةَ النهر القديمة،/ بينما يظنُّ به الغصنُ اليافعُ/ مِرآةً صغيرة".
لوركا؛ المولود في قرية فوينتي فاكيروس القريبة من مدينة غرناطة في 5 يونيو/ حزيران من العام 1898، يُعتبر من أبرز الأصوات الشِعريّة في العالم طيلة عقودٍ مضتْ، ولا يزال يحتلّ مرتبة مُتقدّمة لدى متابعي الشِعر، إلى جانب شُعراء آخرين من مثل سيرغي يسينن وبابلو نيرودا ومارينا تسفيتاييفا ووالت ويتمان وآرثر رامبو وشارل بودلير وناظم حكمت وألكسندر بوشكين وغيرهم. ولعلّ موته بطريقةٍ وحشيّةٍ تركت الندبة الأكبر لدى قرائه ومحبّي شِعره وإبداعه، حيثُ اغتيل برصاص مليشيا الفالانجا التابعة لقُوَّات فرانكو العسكرية في مكان مجهول من عام 1936. يقول المترجم سعدون، في معرض تقديمه للديوان: "من المؤكد أن مقتل لوركا قد زادَه شهرةً على شهرته السابقة، وفتَّح العيون على آدابه إلى درجة أن يصبح فيها رمزاً للمأساة الإسبانية في ظل الدكتاتورية العسكرية، بل لتتعدى ذلك بأن يُصبح لوركا ومقتَلُهُ رمزاً عالمياً للدفاع عن الشِعر والجمال إزاء الطغيان وبشاعة الحروب".
تنتمي قصيدة لوركا إلى نمط "السهل الممتنع" من حيثُ بنيها الأسلوبيّة، ولعلّ هذا المنحى الجمالي لديهِ منح قصيدته المزيد من السلاسة والمرونة، عدا عن أنه يُعتبر جواز مرورها إلى قلب القارئ بسهولةٍ ويسر، بالإضافة لتلك النبرة الهادئة والشجيّة التي تسيطر على أجواء معظم قصائده
في قصيدة بعنوان (سَكينة)، نجد أنّ الجانب التأمّليّ يبدو جليّاً لدى الشاعر، بينما الوصفُ يكاد أن يكون على أشدّه؛ حيثُ يقول: "نظرتُ في عينيكِ/ متأملاً روحَك. دِفلى بيضاء"، "نظرتُ في عينيك/ متأملاً فمَك./ دِفلى حمراء"، "نظرتُ في عينيك/ لكنك كنت ميتة!/ دِفلى سوداء". اللعبة المشهدية في القصيدة السابقة، وذلك بتقسيمها إلى مقاطع متتالية ومتشابهة من حيثُ الجُمل وعدد المفردات، ومن ثمّ إدخال تقنيّات تخصّ المسرح عليها؛ تبدو من أبرز سمات قصيدة لوركا.
إلى جانب الشِعر، كَتبَ لوركا في العديد من المجالات الأدبية والفنية الأخرى، لكن يبقى الأهم في مسيرته ما كتبه في مجال المسرح من أعمال متميزة، من أبرزها: "عُرسُ الدم" (1933)، "يرما" (1934)، "بيت برناردا آلبا" (1936)، وغيرها. ومن أبرز إصداراته الشِعرية، نذكر: "كتاب القصائد" (1921)، "قصيدة الغناء العميق" (1921)، "نشيد إلى سلفادور دالي" (1926)، "الأغاني الغجرية" (1928)، "شاعر في نيويورك" (1930)، "بكائية من أجل إغناثيو سانشيث مخيّاس" (1935)، "ديوان التَّماريت" (1936)، وأخرى غيرها.
كتاب "الأغاني"، الواقع في مئة وست وثلاثين صفحة من القطع المتوسط، يُعدّ من الكُتب الشِعريّة الأولى للوركا ويعود إلى العام (1922)، حيثُ "يَحيلُ بأكمله على لوركا المولع بالأغاني الشعبية والأحاجي وغناء الأمهات والعودة إلى أصول البذرة الأولى في التكوين الشِعري، البساطة والدهشة والضربة الشِعرية الخارقة". كما أنّه "لا يخلو من تلك الأجواء المميزة لأشعار لوركا من مسحة الحزن واللوعة البشرية وخفايا الحب والحس الغنائي الأخَّاذ، والتي سنراها أكثر وضوحاً في دواوين لاحقة كما عليه في ديوان التَّماريتِ أو الأغاني الغجريّة".
ــــــــــــــــ
الكتاب: الأغاني (شِعر)
المؤلف: فدريكو غارثيا لوركا (إسبانيا)
المترجم: د. عبد الهادي سعدون (العراق/ إسبانيا)
الناشر: دار الفراشة- الكويت 2018

الصفحات: 136 صفحة

القطع: المتوسط