"طق إصبع" سردُ الذّاكرة العراقيّة
دعاء البياتـنه

يجسّد الشّاعر العراقي فضل خلف جبر في ديوانه "طق إصبع" الصادر في 2011 عن دار "الغاوون"
مدوّنةً أسطوريّة سومريّة، تنهض بالوعي الجمعي، وترسّخ الذاكرة المشتركة في الذات العراقيّة بنزعة ملحميّة ،و حكائيّة،و دراميّة.
ويلاحظ أنّ عنوان "طق إصبع"،ينفتح على أبعاد فنيّة ودلاليّة،فهو يتّصل بالعادي،واليوميّ،والمألوف وهذا ما يوهم بالواقعية،التي تكسر المسافة بين المتلقي والنّص،إذ إنّ الصّورة الذهنية تأخذ المتلقي إلى فعل شكليّ لحركة الأصابع،وسرعان ما يظهر الإله "طق إصبع" في ديباجة النص الشعري ليؤسس طقسًا سومريًّا يتّسم بالبهجة والفرح والسّعادة ممتدًا من الماضي إلى الحاضر جامعًا بين الجغرافيا،و الأضداد،والاختلافات المجتمعيّة في رؤيةٍ تدعو إلى الأمل والحياة،وهذا أكسب النص سمة الامتداد والشموليّة،كما أنّ التركيبَ اللّغويّ الذي تضمّن فعلَ الأمر"طق"جسّد أمرًا بالفرح،لإحياء الأمل في الذات الجماعية.
وعمد الشاعر فضل خلف جبر، إلى استلهام نظام الألواح في تقسيم نصّه الشّعري"،فاللوح الأول:"الديباجة" و اللوح الثاني:"المستهل"،و اللوح الثّالث:"مولد إله"،و اللوح الرّابع:"طق إصبع" ،وتمتد الألواح إلى:"اشتباك الآلهة" حتى اللوح الأخير المعنون بـ:"زغردن يا بنات سومر".
و تعد تقنية الألواح مساحة يتفاعل فيها المتلقي مع الشخصيّات، والأحداث،كما أنّها تجعل النص الشعري متماسكا متناغما،يتحرك فيه مسار الحدث تصاعديّا .
وتتعدد الشّخصيات في طق إصبع،مما استدعى تخصيص حيّز معنون بـ(مسرد الآلهة).ويلاحظ أن شخصية السارد العليم تتنقل بين الأمكنة والأزمنة،وتقـدِّم شرحًا، وتعليقًا ،و ترصد حركة الشّخصيات وصوتها؛لتكون شاهدًا على تاريخ وعي الجمعي.
ويتسم الدّيوان بالمشاهد السرديّة، فجاءت اللغة تخاطب العين وتحفّز الخيال،و يكثر فيها تراسل الحواس والتشخيص والتكثيف الصوري،وتوظيف الحوار الدرامي مما جعل النص الشّعريّ موضوعيا وشموليّا يحقق الدهشة والتشويق ويجعل المتلقي يتأمّل في وجهات النظر.
ويستمد "طق إصبع" إيقاعه من التفاعل بين العلاقات اللّغوية في البنية الصرفية والنحوية والتكرار.
إنّ هذا النّص الشعري في بنائه القائم على المشاهد السرديّة،و الأحداث العجائبيّة،والنزعة الملحمية والدرامية فتح أفقا أسطوريا ثقافيا لمخاطبة الذّات الجمعية بهويتها الأصيلة وذاكرتها الأولى لتنطلق منها في مواجهة واقعها السياسي فمنذ أول نخل في سومر حتى آخر قطرة في دجلة والفرات كان الإله طق إصبع طقس الحياة والفرح الذي يجري في الأيادي العراقيّة الباحثة عن الأمل والحياة .
أكاديميّة وشاعرة فلسطينيّة*
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت