عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 03 أيلول 2018

تغريدة الصباح- محمد علي طه

انحسار المسرح الاسرائيليّ

من البديهيّ أن تتوتّر العلاقة بين السّلطة وبين الثّقافة في دولة يسيطر فيها اليمين المتطرّف على الحكومة والكنيست وجهاز القضاء والجيش والشّرطة، ما أدّى الى انحسار الدّيمقراطيّة وخنق الصّوت الثّقافيّ العقلانيّ المعارض ونفيه من الاجماع الوطنيّ كما حدث لعدد من رموز الثّقافة الاسرائيليّة مثل دافيد غروسمان وعاموس عوز ويهوشع سوبول وغيرهم. وقد ارتفع منسوب هذا التوتّر منذ تولّت وزارة الثّقافة ميري ريجف الّتي قدمت من المؤسّسة العسكريّة لفرض فكرها اليمينيّ الكولنياليّ على الحياة الثّقافيّة مستغلّة سلطتها وميزانيّة وزارتها فتدخّلت في الرّوايات والأشعار في منهاج التّعليم العبريّ (لا توجد نصوص أدبيّة تزعج الوزيرة في منهاج التّعليم العربيّ) فمنعت دراسة أو قراءة بعضها وحملت على محطّات الإذاعة العبريّة كما حدث لإذاعة الجيش لبثّها قصائد أو برامج لا تستسيغها مثل البرنامج عن الشّاعر الفلسطينيّ محمود درويش، وأمرت المسارح بتقديم عروضها في المستوطنات وهدّدت بعدم تمويل أي مسرح يعارض فرمانها.
عاقبت الوزيرة في البدايّة المسارح العربيّة مثلما مسرح "الميدان" في حيفا ومسرح "السّرايا" في يافا ثم حدثت فضيحة مهرجان المسرح الاخر في عكّا عندما ألغى المسؤولون مسرحيّة عبريّة تصّور معاناة الأسرى الفلسطينيّين في السّجون الاسرائيليّة ممّا أدى الى انسحاب الفرق المسرحيّة من المهرجان.
لعب المسرح الاسرائيليّ في السّتّينيات والسّبعينيات من القرن الماضي دورًا كبيرًا في حياة المجتمع حين قدّم مسرحيّات جريئة تنتقد الحرب والاحتلال والاستيطان ومن أشهرها مسرحيّة "ملكة الحمّام" للكاتب المسرحيّ التّقدّميّ حانوخ ليفين الّتي أثارت عاصفة كبيرة في الاعلام وفي المؤسّسة الحاكمة ولكنّ الجوّ اليمينيّ المتطرّف المعادي للحرّيّة والدّيمقراطيّة في العقدين الأخيرين جعل المسرح الاسرائيليّ يتراجع ويلجأ الى مسرحيّات شكسبير وموليير وتشيخوف وحتّى المسرح اليونانيّ القديم خوفًا من التّحريض اليمينيّ وحرصًا على التّمويل الحكوميّ الّذي هو دم حياته. وقد أحسن الكاتب المسرحيّ الاسرائيليّ موطي لرنر (صحيفة هآرتس 26 آب 2018) عندما شخّص حالة المسرح الاسرائيليّ اليوم بأنّه "لا ينشغل بالقضايا الأساسيّة الّتي تواجه المجتمع الاسرائيليّ مثل مستقبل الاحتلال ومستقبل العرب ومستقبل المستوطنات، وهل يمكن أن نتوصّل الى اتفاقيّة سلام، وماذا يعني التّطرف القوميّ الّذي ينمو في المناطق؟ (بين المستوطنين...م.ع.طه) وهذا يعني أن المسرح لا يقوم بواجبه".
ضربت الحكومةُ اليمينيّة مسرح "الميدان" العربيّ كي يخاف مسرح "هبيما" ومسرح "الكامري" ومسرح حيفا وغيرها من المسارح العبريّة عملًا بالمثل العربيّ... "اضرب اللي في البور بتربّى اللي في الكراب".