من دفاتر قديمة
تغريدة الصباح- حنان باكير
الحاج علي دقماق من بلدة الشهابية الجنوبية، زرته قبل عشرين عاما. جلسنا على بلكونته، المطلة على
اخضرار يمتد ليصل جنوب لبنان بفلسطين. دونت حينها ذكرياته عن السنين الطويلة التي عاشها في فلسطين.
حكى لي عن عمته المتزوجة من الفلسطيني سليم الكردي في يافا. وأن والده اللبناني كان يحمل هوية فلسطينية. "فلسطين كانت كريمة معنا، هربنا إليها من الفقر في بلدنا وخاصة في الجنوب، وكانت تمنح هويتها لنا بلا مقابل".. من بعض أقواله.
حدثني عن يافا التي كانت ملعب طفولته وشبابه. كان في الثامنة عشرة من عمره، حين دبّرت له عمته عملا في وزارة الشؤون الإجتماعية. حيث أعدّت الحكومة البريطانية، برنامجا غذائيا، يقضي بتزويد المدارس بوجبة غداء للتلاميذ الفقراء. كان المشرفون على المشروع فلسطينيين ويذكر منهم، الحاج أحمد أبو لبن، الذي كان مسؤولا عنهم. وكان هو اللبناني الوحيد بينهم.
ويضيف.. أتذكر كيف كان اليهود يفجرون المراكز، مثل مركز البوليس. حيث يُخرجون البوليس البريطاني واليهودي، ويفجرون المركز بالبوليس العربي. وكلما قاموا بتفجير، يلحقونه بحملة إعلامية مطالبين بإنشاء دولة لهم، بناء على وعد بلفور.. وكأنهم الضحايا والمستهدفون!
عندما صدر قرار التقسيم، في 29 تشرين الثاني 1947، كانت يافا و"تل أبيب"، تماما مثل بيروت الشرقية وبيروت الغربية، فالمناطق متداخلة.. بدأت اضرابات استنكار في يافا، ومظاهرات ترحيب في تل أبيب، سرعان ما تطورت الى معارك طاحنة. ثم امتدت المعارك الى اللد والناصرة وحيفا وعكا.
في هذه الأثناء أغلقت المدارس، فاستبدلنا ارسال طعام الطلاب الى الثوار، على خطوط التماس.. نحمل لهم الطعام، ونعود حاملين الجرحى للعلاج، كان سائقنا سودانيا، اسمه أبو إدريس.. ويحمّلنا الثوار رسالة: نحن نريد السلاح لا الطعام.. وكنا ننقل طلبهم للجنة القومية. لم يكن السلاح متوفرا، خطأ العرب أنهم كانوا مستخفين بقدرات عدوهم، بينما العصابات الصهيونية كانت مدربة بشكل جيد على يد الجيش الانجليزي".
آخر مرة ذهب فيها الحاج علي، الى تل الريش لتقديم الطعام، كانت المنطقة ملتهبة، استنفار عام، وطرقات مقطوعة.. سمع حينها ان القائد حسن سلامة قد استشهد.
كانوا يعدّون الطعام في سراي قديمة، تشبه السراي التي كانت موجودة في ساحة البرج في بيروت أيام العثمانيين. وكان السراي بإشراف غالب الدجاني، ويوسف القني من يازور، وسيدة اسمها سعاد الزين. يقع السراي في نهاية طريق مسدود، والى يساره بنك باركليس الانجليزي. قامت العصابات الصهيونية بتفخيخ، سيارة خضار، حيث سمح لها الحارس بالدخول، لاعتقاده، أنها للسراي. اوقفها السائق وخرج، وبعد خمس دقائق، انفجرت السيارة.. كان ذلك صبيحة نهار أحد 20 كانون الثاني 1948.
غصّ الحاج علي، وهو يخبرني الحادث.. إذ كان في طريقه الى منطقة أبو كبير على خط تماس تل أبيب.. حين سمع دوي الانفجار.. قيل له انفجار في شارع اسكندر عوض، الذي يشبه شارع الحمرا في بيروت. لكنه كان منقبضا.. وعرف ان التفجير استهدف السراي وفي وقت تواجد أخيه الصغير عبد دقماق، لتناول وجبة الغداء.. "وصلت الى المكان الذي كان مطوقا من الانجليز، ويمنعون الدخول الى المنطقة، لا أدري كيف تسللت فوق الردم والأنقاض.. تعرفت على عشرين جثة، وكان أخي قد نقل الى مستشفى خاص. زرته، ضممته وبكينا.. كان يتقيأ الدم.. وما لبث أن فارق الحياة.. وتكفّل الحاج أحمد ابو لبن بتكاليف الجنازة كاملة. يا بنتي، اليهود خبراء في التفجير. والتفخيخ موضة صهيونية.. كانوا يملأون قارورات الغاز بالمتفجرات ويدحرجونها في سوق الخضار ثم تنفجر..
وحين قررت العودة الى لبنان، اقنعني يوسف القني بالبقاء. يوسف استشهد.. كان له تسع بنات، ويوم استشهاده رزق بصبي. عاد الحاج علي الى الجنوب عبر كفر برعم متسللا.. كما دخلها. ختم حديثه: "يافا جميلة جدا، كما كل فلسطين".
هذه نتف من ذاكرة غنية وطويلة للحاج علي دقماق.. عثرت على مسودتها أثناء مراجعة اوراق قديمة.