تونس وصحوة للنهضة المدنية
تغريدة الصباح - حنان باكير
الحراك التونسي الذي نشهده اليوم، وبكل أشكاله، لاسيما ما يتعلق بموضوع المرأة، من قانون تعدد الزوجات، والاختلاط في المدارس والجامعات، الى موضوع السفور... هذا الوضع يدفعنا الى التساؤل: منذ قرابة القرن والنصف قرن، وما زالت طروحاتنا تراوح مكانها، إن على الصعيد الحضاري، والاجتماعي، أو على صعيد المرأة، والتي نتعامل معها، وكأنها مخلوق غريب وغامض، وما زالت مجتمعاتنا تقف أمام لغز يسمى المرأة.
منذ أواخر القرن التاسع عشر، وهي بداية النهضة العربية، والتي بدأها رجال دين متنورون. طُرحت القضايا الاجتماعية كافة، وقامت حركة فكرية تجديدية، للقضاء على الجمود الفكري السائد.. ومن رواد تلك النهضة رجال دين، من رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. وخلنا أن موضوع المرأة لناحية التعليم والاختلاط والحجاب، قد حُسم. الى أن كانت الانتكاسة على يد الإخوان المسلمين. ولاحقا مع كل الفرق التي حملت تسميات، يصعب حفظها أو حصرها، ويمكن القول إنها خرجت من تحت عباءة الإخوان.
وفي كل الأحوال، إن ما نالته المرأة من حقوق، التعليم والعمل، لم يزد الا من ضغوط العمل والمسؤوليات، التي ضاعفت من معاناتها. ولم تحفظ حقوقها، بقوانين واضحة وصارمة. العنف الأسري يستشري ويزداد شراسة. جرائم الشرف، كانت نادرة، وتدوّن في ذاكرة الأجيال، كحدث نادر ومستهجن. وأصبحت الآن أمرا عاديا، لا يستوقفنا. وكلما ازداد القمع السياسي، والقهر الاجتماعي، ارتد الرجل الى بيته، ليمارس عنفا، ينفّس فيه عن ذلك القهر.
أعود لظاهرة دولة تونس المدنية، ولا أقول العلمانية، فهذه الكلمة السيئة السمعة، تثير الحساسية لدى من يرون أن الاسلام هو الحل، لكل امور الدنيا والآخرة. ما حصلت عليه المرأة من حقوق وحريات شخصية، وتقنين قانون الزواج، وقصره على امرأة واحدة، كان محميا بقوة القانون، ما حمى المرأة من الاستباحة ومن جعلها سبية أو رهينة، لمجتمع محكوم بتقاليد، لم تعد تتماشى مع روح العصر. ومع تغير الحكم وما تواتر من أحداث، وبدء ظهور تيارات دينية، بدا الأمر وكأنه انقلاب على ما منحه الحكم المدني للمرأة من حقوق في زمن الحبيب بورقيبة.. فُرض الحجاب في بعض أنحاء تونس، ومنع الاختلاط بين الجنسين، وانتهاك قانون منع تعدد الزوجات. أثيرت مؤخرا ضجة، حول الفصل بين الجنسين، في قرطاج، وقد قوبلت بالرفض والاعتراض. ذكرتني يوم أخبرنا دكتور النقد الأدبي، عبد العزيز عتيق، حين دعي لمحاضرة في إحدى الجامعات الإسبانية، حيث فوجئ، بالفصل بين الجنسين في القاعة، فنظر الى مضيفه مستغربا، فأجابه: هذا من بعض ما خلّفتموه لنا!
وتناقلت وسائل الإعلام التونسية، صور نساء يقبّلن صورة الحبيب بورقيبة على الأرض.. فسرها البعض بشكل سلبي، لكنها في الحقيقة تعكس نضجا ووعيا، نفتقدهما في معظم بلادنا العربية. ويعكس التغيير الذي أحدثته الدولة المدنية، ولم يستطع المدّ الديني، ازالته من النفوس.
ذات مرة، كنت أقوم بمرافقة امرأة عربية، إلى مركز للشرطة، وترجمة التحقيق معها. آخر سؤال وجه لها: كيف تفهمين الحرام؟ أجابت المرأة: الحرام يعني أن تتزين المرأة لغير زوجها. وأن تخرج من البيت دون إذنه. وأن يشتم غريب رائحة عطرها، أو يسمع صوتها. وأن ترضع طفلا غريبا دون إذنه، وأن يطلبها لفراشه وتتمنع، فتلعنها الملائكة حتى الفجر.
سألتها المحققة، هذا بالنسبة للمرأة، وماذا عن الرجل؟ استغربت المرأة، ونظرت إليّ نظرة تشي باتهام المحققة، بالغباء.. وأجابت: كيف ما هو رجل!
تحية للشعب التونسي على مدى الوعي والنضج، وهذا الحراك المدني، الذي نتمنى أن نراه في جميع بلادنا العربية!