الفيلم الفلسطيني القصير «رسام القرية»ومعالجة المثقفين له

الرباط ـ يبدأ فيلم (رسام القرية) بلقطة يبدو فيها أستاذ الرسم «عمر» يخاطب تلاميذه بعنف وصرامة، يؤكد عليهم بوجوب الإتيان برسومات في اليوم التالي، مهددا إياهم بالعقاب في حالة مخالفة أمره، فيضحكون ساخرين ــ لكونه لا يعلمهم بجدية ــ وبعد خروج التلاميذ يلمح الأستاذ عمر قدوم «غسان» أحد أصدقائه الرسامين المغادرين للقرية عقودا من الزمن، فيخرج ليرحب به مستضيفا إياه في منزله، وتتوالى الأيام والأطفال ينضمون إلى ورشة غسان تاركين مقاعد فصل الأستاذ عمر فارغة، وهنا يفكر هذا الأخير في حيل بغية الإساءة إلى سمعته وإبعاده عن التلاميذ.
وحين لم يفلح الأستاذ عمر في ذلك، تسلل إلى ورشة غسان ليلا فأفسد أثاثها: مزق اللوحات، وكسر الإطارات وبعثر الأدوات، وحين دخل غسان وجد ذلك فتألم وتأسف لمجيئه إلى القرية، لذا وقف يفكر في العودة إلى أوروبا، حتى جاءه المتعلمون مصطفين أمامه مشتاقين للقياه، وبأيديهم أوراق الرسم، ولتأثره بتعلقهم به عزم وصمم على البقاء كي يواصل تعليمهم بدل الهجرة من جديد. الفيلم أداء .. صلاح بشناق وفوزي الخطيب، تصوير حمادة حجوج، صوت رام مونوفيتش، سيناريو وإخراج مصطفى قدح.
عمر وغسان
يرتكز الفيلم على شخصيتين متناقضتين من حيث رؤيتهما إزاء التربية والإبداع، ويظهر ذلك في تصرف كل منهما .. عمر تقدمه لقطات الفيلم ماسكا عصا يهدد ويوبخ التلميذ «سعيد» لتأخره والتحاقه بمرسم غسان، معتقدا أن الآباء يبعثون بتلاميذهم إلينا إبعادا لشغبهم في بيوتهم (حسب قوله لغسان)، كما يبديه الفيلم يمارس تعليم الرسم للمتعلمين في قاعة ضيقة شبه مظلمة تبدو كسجن مخيف يبعث على الكآبة. أما غسان فيبدو مهذب السلوك إزاء المتعلمين، متشبعا ومتعلقا بالإبداع (قضى عمره بين اللوحات والمعارض)، جاذبا للمتعلمين بهدوئه وبعمله المتقن، يدعو عمر لنهج اللين واللطافة مع المتعلمين، رزينا يهدئ من غضب عمر موجها إياه إلى كيفية تربية الصغار تربية لا تزعجهم. يمارس أنشطته مع التلاميذ في هواء طلق على شرفة مطلة على طبيعة جميلة.
آفة المبدعين
الفيلم يعرض لظاهرة منتشرة، وتتعلق بالحقد والكراهية بين المبدعين، رغم أنه ليس من الإبداع في شيء أن تحقد على غيرك، فالإبداع يدعو إلى معانقة الجمال في كل شيء في الفن والعلم والحياة والخير. ففي الوقت الذي ينبغي على المبدعين التودد إلى بعضهم متبادلين للخبرات والتجارب من أجل الارتقاء بالفن، تجدهم يتراشقون بالألفاظ وبالانتقادات الجارحة، الكل يحاول الإساءة إلى غيره، ناسين كون الإبداع في حقيقته وسيلة لنبذ الحقد والتصادم بين الناس، وفق التعاون والتفاعل الإيجابي بحثا عن سبل أرقى وأنجع من أجل المساهمة في هداية البشرية إلى الخير والفضيلة. وتبعا لذلك نميز بين المبدع الحقيقي، والمبدع المزيف الذي اتخذ الإبداع وسيلة لتحقيق غايات مادية عابرة وحسب، فتطغى عليه الأنانية ليصير عبدا لها ضاربا ناكرا كل ما لا علاقة له بتحقيق مصالحه الشخصية على حساب الغير، والغاية مهما تكن تبرر الوسيلة ولو كانت هذه الوسيلة سلوكا غير إنساني من أجل غاية قد تكون خسيسة، ويظهر ذلك في سلوك عمر وتصرفاته ونواياه وحقده الدفين ليس على غسان فقط بل على المتعلمين وأهل البلد. فالفيلم تربوي بامتياز، يلخص ظاهرة شائعة بين المبدعين من حيث تبادل الانتقادات ومحاولة إساءة بعضهم إلى سمعة بعضهم الآخر. ومن الفظيع أن البعض يسجل حقده وكراهيته لغيره عبر مقالات وفيديوهات مدعيا أنه الأجدر بالريادة الإبداعية، وأن غيره لا يمت بصلة بالإبداع، بل إن من الفنانين من يقاطع مهرجانات وملتقيات بحجة أنها تستضيف مبدعين ناشئة، في الوقت الذي يجب أن يكون مخصصا للأكاديميين وكبار الفنانين، علما أن الناشئة ومن هم في بداية الطريق يحتاجون إلى الكبار والمحترفين والأكاديميين للأخذ من تجاربهم وتوجيهاتهم ما يغني إبداعاتهم ويعينهم في مسيرتهم الفنية.
*عن القدس العربي
مواضيع ذات صلة
وزارة الثقافة: عامٌ من الإنجازات… الثقافة الفلسطينية في صدارة الفعل الوطني والدولي
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت