عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 22 تموز 2018

تغريدة الصباح.. حنان باكير

ممكن

حكاية طفلة، لم ينقصها شيء لتكون إنسانة مرفهة، تنشغل بأمور حياتها الخاصة. فقد ولدت الطفلة غادة الفغالي، لأب صيدلاني. وكانت صيدليته في حارة حريك، آنذاك الصيدلية الوحيدة، في المنطقة. وكان الوالد ميشيل، ملتزما وطنيا. وكانت الأم امرأة، ملتزمة بعائلتها وحياتها العملية. تحمل أعباء عائلتها، كتعويض عن انشغال الوالد في أمور وطنية.
ورثت الطفلة، روح الوطنية من أبيها، وحب العمل والمثابرة من أمها. فكانت المرأة الأيقونة، التي لا تعرف المستحيل. وتملك عيون النسر في التقاط، صور الخراب حولها، وكل المظاهر التي تعيق تقدم مجتمعها. ومن أجواء هذه العائلة المكافحة، تعرفت غادة، الى فكر الزعيم أنطون سعادة، وآمنت بمقولته: "المجتمع معرفة والمعرفة قوة".. فالمعرفة هي العلاج السحري، لبناء مجتمع قوي ومتحضر. كما أدركت ورفضت فكرة وجود المستحيل، واستعاضت عنها في قاموسها، بكلمة "ممكن".
تكبر الطفلة، ويكبر معها حلم التغيير. وبقي هاجس المعرفة، يسكنها، ويلحّ عليها، كبداية لعمل ينهض بمجتمعها. والبداية تكون من المدارس الرسمية. كيف وهي ليست مدرّسة فيها، ويد واحدة لا تصفق. ذهبت لمقابلة وزير التربية، عبد الرحيم مراد، وبعد جدال مع مرافقيه، طلب الوزير منهم، إدخالها ظنا منه أنها أمّ جاءت لتسجيل أبنائها. لكنه تفاجأ بطلبها.. إعطاء دروس خصوصية إضافية، للطلاب في المدارس الرسمية، تطوعا ودون أي مقابل. ثم كانت الخطوة الأولى في مشوارها الطويل الذي ما زال ينمو ويتشعب.. بدأت بتجنيد صديقاتها، كل واحدة في مجال اختصاصها. ولم تنس دمج الطالبات الفلسطينيات.. حدثتني صديقة فلسطينية، كيف كانت غادة، تمرّ على بيوتهم في المخيم لتذكيرهم بموعد الدروس، ارتفعت نسبة النجاح في الشهادات الرسمية. وكانت بداية تأسيس جمعية "ممكن"، مؤسسة لا تؤمن بالمستحيل، بل كل شيء ممكن.
شكل هذا النجاح حافزا جديدا، لأنشطة متنوعة، بعد أن تهافتت الفتيات والشباب، على العمل التطوعي، والهدف هو بناء مواطن مسؤول يساهم في بناء مجتمع سليم. ومع الوقت، ساهم المتخرجون بدورهم، في العمل التطوعي. حدثني أحد المتطوعين، بأنه لم يكن يملك أقساط الجامعة، فقامت "ممكن" بتأمين القسط، وجاء ليرد الجميل، بالعمل التطوعي. وبالتعاون مع وزارة التربية ومدراء المدارس، تم استعمال أبنية المدارس. ودعم الجمعية في مشاريعها التربوية، وتأمين المنح للطلبة.
تعرفتُ على الجمعية، من خلال علب الحلوى الأنيقة، والشهية، من السوبر ماركت، وتحمل اسم جمعية "ممكن". الى أن تعرفت صدفة على غادة الفغالي، في أحد المهرجانات، وعرفت أنها رئيسة تلك الجمعية، التي تقوم بتأمين عمل للنساء في بيوتهن، وهو تحضير تلك الحلويات، ويقمن ببيعها دعما للأسر، وللجمعية.
ومع اطراد النمو، تشعبت مشاريع الجمعية، للاهتمام بالبيئة، من فرز النفايات وتدويرها. مساعدة الفلاحين في القرى، في قطف الزيتون وسائر مزروعاتهم. ولم يفت الجمعية، الاهتمام بالبيئة التعليمية، كما اهتمامها بالتعليم. فقد عملت على إعادة تأهيل البنى التحتية للمدارس، وصبغ جدران الروضات بألوان زاهية.. وانطلاقا من بناء مواطن متكامل، كانت النظافة، والتربية، من ضمن الرعاية الاجتماعية التي تقدم للأطفال.
ذات مرة، وفي إحدى الروضات، كانت غادة تتحدث مع إحدى الأمهات، عندما جاء طفل، وسحب أمه من المجلس.. عادت الأم ضاحكة وأخبرتنا أن ابنها، أخذها الى الحمام، وقال لها: أنا بدي كل يوم أشوف حمامنا نظيف متل هيدا!
توسعت طموحات غادة الفغالي، والنخبة الرائعة من، اللواتي رافقنها في مسيرتها، فتعددت مشاريعهن الاجتماعية والتعليمية، بلغ حد التعاون مع معظم الجامعات في لبنان.. وأصبح من تعلموا، على أيديهن متطوعين، ينشط كل واحد في مجال تخصصه.
وللمناسبات الفلسطينية حظها من أنشطة الجمعية. وقد قامت الجمعية، بإصدار طبعة ثالثة من روايتي "أجفان عكا" كما أصدرت كتابي "الثائر أبو جلدة"، وقامت بتوزيعه على طلبة المدارس، ليكون قدوة للناشئة في الوطنية.
في إحدى الجولات، تجمع فريق من الأطفال، يشيرون الى غادة، ويتهامسون "هيدي ممكن".. فعندما تكون كل الأمور ممكنة، تكون غادة. هي ليست دعاية لصديقة، إنما لتكون مثالا في العمل الاجتماعي!