صورة نمطية ظالمة
تغريدة الصباح- حنان باكير
تشكيل الصور النمطية، عن الشعوب أو المجموعات البشرية، ظاهرة طبيعية. وتعتمد على رسم صور، تتسم بالمبالغة والتسطيح، ويتم تعميمها على مجموعة كاملة. ولم ينج الشعب الفلسطيني من رسم صور نمطية، تغيّرت أو تطورت، حسب المراحل التي مرّ بها، منذ عام النكبة.
ارتفاع نسبة المتعلمين بين الفلسطينيين، ربما كانت الصورة النمطية الإيجابية الوحيدة، التي سادت شعبنا، في مرحلة مبكرة من زمن النكبة. كانت جارتي اللبنانية، تحثّ أبناءها على الدراسة، قائلة: "بدي ياكن تطلعوا متعلمين، متل الفلسطينيّة. وتردد في كل مجالسها، شوفوا بيوت المخيم، بيوت فقيرة، لكنها نظيفة، وصور الشهادات اللي معبيّ الحيطان، بتشرح القلب، وبترفع الراس".
لكن أيضا الصورة النمطية السلبية، التي طغت على الإنسان الفلسطيني، هي صور المخيم، التي كانت رمزا للفقر ومركز توزيع الإعاشة، والمطعم الذي يقدم وجبات طعام. تلك الصورة النمطية، ساهم في صنعها، وسائل الإعلام. ربما ليس عن سوء نيّة، فقط لإظهار بشاعة النكبة ومفاعيلها التي بدت واضحة، بعد إغلاق الحدود، مع فلسطين المحتلة. فانتشرت صور حياة البؤس في المخيمات، وتكرست تلك الصورة في الأدب والكتابات، التي انتشرت في تلك المرحلة. وصارت صورة الفلسطيني خيام وبؤس. رغم أعداد الفلسطينيين الكبيرة الذين سكنوا البيوت المستأجرة.
ومنذ ذلك الوقت، وحتى الآن، لم تسلط الأضواء على الجانب الآخر من الصورة. الأكاديميون الفلسطينيون، الذين جاءوا لبنان بطاقاتهم الإبداعية. ورجال الأعمال بملايينهم، وإسهاماتهم، في النهضة العمرانية التي شهدها لبنان. ولا دور الإعلاميين الفلسطينيين، وغالبيتهم من فريق، إذاعة الشرق الأدنى. منذ عقد من الزمان، بدأ بعض الكتاب من أصحاب الضمائر الحيّة، يكشفون أعداد وأسماء هؤلاء الحضاريين، وتعداد إسهاماتهم، في بناء حضارة بلدهم الثاني. وقد كنا نسمع أسماء لامعة، تركت بصمتها على أرقى شوارع بيروت، لم نكن نعلم أنها فلسطينية. ولا مجال هنا لذكر تلك الأسماء. اكتشفت بنفسي مبكرا، بأن محلات بوتاجي وسبتي للمفروشات، وهما الأشهر والأرقى، في منطقة الروشة وشارع الحمرا، أنهما فلسطينيان. وذلك عندما قمت بتجديد فرش البيت. وبوتاجي هو من أدخل نظام الشقق المفروشة، في لبنان.. لكن التعتيم على الوجه الآخر للفلسطيني، الوجه الحضاري، والأكاديمي، ربما كان مقصودا، وعن سوء نيّة.
صور البؤس، في درب الآلام من الوطن الى لبنان، أظهرت الفلسطيني، سيما النساء، في صورة نمطية لا تحمل مسحة جمال، شعر مشعث، وجوه كالحة، وملابس أضناها الرحيل المفاجئ. في أوائل الثمانينيات، تعرفت الى عائلتين بيروتيتين، عندما علموا بأني فلسطينية، قالت إحداهن: ضيعانكن" خسارتكن" تكونوا فلسطينيّة!
وفي أوروبا، نشهد الصورة ذاتها. عندما نُسأل عن جنسيتنا، ونعرّف أنفسنا، فلسطينيون من لبنان، يسألوننا: من أي مخيم جئتم؟! ليتهم يسألون مغتصب وطننا من أيّ بقاع الأرض هم جاؤوا! فصورة الفلسطيني عندهم، مرتبطة بالمخيم فقط! ويكتب في خانة الجنسية: بلا وطن! فمن أين جئنا إذن؟! أنزلتنا مركبة جاءت من عوالم غيبية! وهم يدرون ما حدث في العام 1948، من تهجير شعب، وإحلال مجموعات بشرية متنوعة، ومن بقاع مختلفة مكانهم..
درّست لسنوات طويلة في مدارس الأونروا. وكنت ألاحظ نسبة الجمال الباهر، عند طالباتي، ومعظمهن من المخيمات. وعجبت من الصورة الذهنية السائدة عن المرأة الفلسطينية، والتي تصوّر بلا ملامح جمالية. ثم جاءت الصبية الصغيرة/ والمناضلة الكبيرة، التي أنضج الاحتلال وعيها، وخطفها من طفولتها. عهد التميمي، الصبية الصغيرة، والطفلة بالمعايير الغربية، صبية فلسطينية، جميلة شقراء الشعر، زرقاء العينين، تتقن الإنكليزية، والغضب، والتحدي.. ومثلها كثيرات من عائلتها، وفتيات أخريات. فشكك الاحتلال بنسبها وانتسابها لقريتها النبي صالح! وربما نالت شهرتها في الغرب، بسبب جمالها، واستكمالها للمواصفات الغربية..
هذه الصورة النمطية الظالمة للإنسان الفلسطيني، وإن تغيّرت بعض الشيء، لكنّا نأمل بأن ترسم صورة جديدة، لإبداعه في خلق أشكال المقاومة، للصمود في أرضه، والحفاظ على هويته، والعناد على حقه بالعودة.