عمر محمد ابو راشد
عيسى عبد الحفيظ
رحلته الأولى مليئة بالأحداث, أخرجته من مخيم جرمانا في دمشق ليلتحق بجبهة التحرير الفلسطينية التي شكلها الضابط الفلسطيني السوري احمد جبريل ابن النكبة وابن المخيمات. اجتاز عمر مرحلته الأولى في معسكرات التدريب وصولا الى قواعد الثورة في الأردن, كل ما سبق اعتبر الرحلة الأولى المؤقتة التي ستقود عمر ابو راشد الى الرحلة الثانية باجتياز النهر وصولا الى فلسطين المحتلة. فلسطين البوصلة لكل فلسطيني, والوجهة لكل من آمن بحق الشعب الفلسطيني بالحياة على ارض وطنه أسوة بالشعوب الأخرى.
لم يطل به المكوث في الأغوار, فانطلق الى عمق الاراضي المحتلة والتي سقطت بعد هزيمة حرب حزيران 1967. ايضا لم يمهله الزمن طويلا فما لبثت ان اصطدمت مجموعته مع كمين اسرائيلي خاضوا فيها معركة شرسة مع جيش حديث مجهز حتى قمة رأسه بكل ما يلزم من امكانيات مثالية.
استشهد الجميع باستثناء عمر ابو راشد الذي اصيب اصابة بالغة في رأسه تسببت فيما بعد بفقدان السمع في احدى اذنيه, كما أصيب زميله في الدورية حافظ دلقموني في ساقه التي حاول جرها معه عند الانسحاب. كانت ساقه منفصلة عن جسده باستثناء جلدة رقيقة. شكلت ساقه شبه المبتورة عائقا عند محاولة الانسحاب, فما كان منه الا ان قام بفصلها نهائيا مستخدما غطاءً صدئا لعلبة سردين وجدها قربه. ضمد الجرح النازف واستمر مع رفيقه عمر بالزحف لعلهما يصلان الى بر الأمان. لكن الوضع والوقت لم يسعفاهما فسقطا أسيرين.
على الفور تم ارسالهما الى المستشفى ومن ثم الى غرف التحقيق الرهيبة ومن هناك الى سجن عسقلان السيئ السمعة بحكم مؤبد عدة مرات.
عمر من القلائل الذين دخلوا السجن في تلك الفترة, وهو يحمل وعيا متفتحا, وثقافة عالية ما لبثت ان ظهرت في السجن, فاحتل موقعه القيادي بين افراد تنظيمه الذي انشق عن الجبهة الشعبية ليحمل اسم القيادة العامة.
كانت التناقضات داخل السجن كبيرة, فأخذ عمر على عاتقه تقريب وجهات النظر وتضييق مساحة الاختلاف, وبرز دوره الايجابي والتجميعي في أصعب الفترات داخل سجن عسقلان عندما طغت النزعة الداخلية على العقلانية الثورية, فقام بكتابة رسالته الشهيرة والطويلة "لم يعد الصمت ممكنا" والتي كان لها دور هام في اعادة اللحمة بين المعتقلين.
قام بدور مهم في التثقيف الداخلي, وأسس مدرسة لمحو الامية بشقيها" معرفة القراءة والكتابة ومحو الأمية السياسية والثقافية.
أطلق سراحه في عملية التبادل عام 1979 فيما سمي بعملية النورس التي تمت بين احمد جبريل واسرائيل, فالتحق مجددا في صفوف الجبهة الشعبية- القيادة العامة. هنا بدأت رحلته الأخيرة التي أخرجته من سوريا منشقا عن تنظيمه الأصلي ليذهب الى تونس ومنها الى غزة حيث التحق بقوات الأمن التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية.
عاد ابو عمار الى طرابلس لافشال المخطط الاسرائيلي – الانعزالي والمدعوم من سوريا, تم دفع مقالتي القيادة العامة الى المعركة ضد "الزمرة العرفاتية" – كما كان النظام السوري يطلق عليها. أدرك عمر بوعيه الوطني الصادق الملتزم بقضية شعبه ابعاد المؤامرة, فما كان منه الا ان قاد مجموعة كبيرة ومهمة من كوادر القيادة العامة والتحق بالشرعية الفلسطينية, وغادر سوريا ولبنان إلى تونس لينضم الى ممثله الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية معبرا عن رفضه لكل اشكال التبعية والانهزامية والاقتتال الداخلي.
عاد عمر الى الجزء المتاح لنا من الوطن على اثر اتفاقية اوسلو_حسب تعبير الصديق الشاعر احمد دحبور-, وأقام في غزة أسوة بغيره من العائدين وبقي هناك الى ان وافته المنية عام 2004.
عمر ابو راشد ليس حالة استثنائية فقد التحق بالثورة الكثير ممن غرر بهم لفترة من الزمن, لكنهم ما لبثوا ان اكتشفوا الحقيقة وأدركوا مليا ان فلسطين هي الملاذ الأخير والآمن. وأن مدعي الثورية والقومية لا ينظرون الى القضية الفلسطينية الا من منظار تجاري مزاود, فانحازوا الى فلسطين تاركين وراءهم كل الشعارات الجوفاء وشعارات القومية الزائفة والتي وإن صحت نظريا لم يجر تطبيقها عمليا, بل كانت وسيلة لشق الصف ولشراء الذمم وللمزايدة الرخيصة على الثوار الحقيقيين الذين يناضلون بالسلاح والمواقف الثابتة وليس بالشعارات البراقة.
رحم الله شهيدنا عمر ابو راشد ورحم كل شهدائنا
والمجد والخلود للشهداء الأبرار
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي