عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 أيلول 2015

إبادة الدول والشعوب

حافظ البرغوثي

لم يتعرض شعب للتنكيل والإذلال والتشريد والقتل والسبي بشتى صنوف التعذيب والبطش مثلما تعرض له الشعب السوري ثم العراقي. ولعل الشعب السوري حلت به المحن من كل حدب وصوب فأتى المعارضون بكل الذئاب البشرية من بقاع الارض لمواجهة الذئاب البشرية للنظام والنتيجة أن الذئاب نهشت الشعب السوري فشرد من وطنه او شرد خارج وطنه, لكن في اللجوء ايضا لم يسلم من الذئاب فجاءت ذئاب بشرية ثرية في أرذل عمرها تحت ستار زواج السترة لتحويل البنات الى جاريات وتحويل الرجال الى عبيد سواء في مخيمات الاردن او لبنان او تركيا.. ومن أراد حياة كريمة عبر البحر والنهر نحو اوروبا فغرق من غرق ونجا من نجا.. وحتى نكون دقيقين، فان هناك مئة ألف لاجئ فلسطيني بين هؤلاء غرق منهم من غرق وأذل منهم من أذل في اللجوء. فارض الله واسعة للجميع الا للفلسطيني اللاجئ. والمضحك المبكي ان هناك اصواتا اسرائيلية تطالب باستيعاب لاجئين سوريين لكن اسرائيل ترفض عودة لاجئين فلسطينيين ممن فروا من مخيمات سوريا ولم يجدوا أي ملجأ، فهل الفلسطيني ليس بشرا وهل  يحظر عليه اللجوء الى بقايا وطنه؟

اوروبا التي يجتاحها طوفان الهجرة الافريقية عبر المتوسط ساهمت بطريقة او بأخرى في المأساة السورية عندما طبلت وزمرت وشجعت المعارضة على حشد النطيحة والمتردية في اوروبا وسهلت انتقالهم الى سوريا وسلحت ومولت هي ودول عربية والمخابرات الاميركية هذه الجماعات بهدف اسقاط نظام الاسد, وسرعان ما انقلب السحر على الساحر وكانت نتيجة ذلك زيادة مطردة في اعداد اللاجئين وارتفاع مستوى سفك الدماء دون نتائج سياسية او عسكرية على الارض.

الذين يتباكون على مآسي اللاجئين هم انفسهم ساهموا في صنعها مباشرة او بطريق غير مباشر ولا يلام السوري لاحقا ان انتقم من الذين فعلوا الأفاعيل به وشردوه وافقروه ودمروا ايقونة المتوسط وهي بلاد الشام، ولا يلام الفلسطيني ان واجه الطغيان بالطغيان.

 الآن وبعد تسوية مدائن الشام بالارض وتشريد الشعب السوري في وطنه يجري الحديث عن تسوية سلمية في سوريا, وكأن أفق التسوية كان مغلقا منذ البدء. فالهدف لم يكن في يوم من الايام إسقاط نظام أو إعلاء شأن شعب بل تدمير دولة وبنيتها التحتية ومؤسساتها وجيشها وتمزيق النسيج الاجتماعي للشعب، ذلك ان العابثين في الارض العربية لا يريدون في الارض العربية اي قوة ولا يريدون من حول الكيان الاسرائيلي ان يبقى سوى بقايا دول ودويلات وارض خراب بلا منظومات حكم وبشعوب منقسمة على نفسها مذهبيا وعرقيا.

مصر فقط كانت صوتا استثنائيا ودعت الى تسويات سلمية بالحوار في العراق وسوريا واليمن وليبيا لأنها كدولة عميقة الجذور تدرك أبعاد المخططات الذئبية التي تستهدف المنطقة وهي بالطبع مخططات تخدم غير العرب.