صفحة وانطوت
تغريدة الصباح- حنان باكير
سبعون صفحة انطوت، من عمر مقهى تلبسه وطن، وأعلنت نهاية حقبة لأجيال سكنت في برج البراجنة وفي مخيمها. وقفت أمام الباب الحديدي المغلق.. رجل يأتي بسلم مرتفع، يتسلقه ويفكك يافطة حديدية، بدت عليها بقايا اللون الأزرق، وكتب عليها "مقهى القسيس".. ارتطام اليافطة المتهاوية على الأرض، وضع نهاية سفر في تراجيديا فلسطينية.. وطي صفحة في تاريخ التيه الفلسطيني، تاريخ له وقع في محيط الذاكرة.. أجيال تعاقبت على هذا المقهى وارتحلت..
وقفت أتخيل، يوم علقت اليافطة لأول مرة، بلونها الأزرق.. هل أراد أبو زهير، صاحب المقهى، استحضار زرقة بحر عكا، أم زرقة عينيه الواسعتين. أتخيل ذلك المشهد، كما روي لي. كانت النكبة طفلة، لم تتعد الثلاث سنوات. وكان أبو زهير، يزور مخيم برج البراجنة كل يوم، للالتقاء بأصحابه ممن كانوا زبائنه، أيام مقهاه في عكا في ساحة اللومان. يتفقدهم كما يتفقد مسؤول رعيته. وكان قد أنشأ معملا للحجارة، في منطقة سن الفيل.
لكنه قرر أن يستعيد مشروع مقهاه في عكا، ووقع اختياره، على ذلك المكان.. مدخل منطقة برج البراجنة، وعلى مسافة مسيرة دقائق الى المخيم الذي حمل اسم المنطقة. ظل المقهى وعلى مدار سبعة وستين سنة، يقوم بمهمة الوطن الذي يجمع أبناءه.. وظل شاهدا على أحداث تاريخ تلك الحقبة.
عرف المقهى باسم "مقهى العكاكوي". وكما جمع المقهى الناس، جمع أيضا، رجال الأمن اللبناني، المكتب الثاني. فمكان تجمع الفلسطينيين، كان مغريا ودسما بالنسبة لهم. ربطت أبو زهير برجال الأمن علاقات صداقة، جعلته خير "واسطة"، لأي شاب فلسطيني يعتقل، بتهمة الانتماء للأحزاب. وصار ابو زهير زعيما متوجا، يلجأ إليه أهالي المعتقلين أو الموقوفين، لإطلاق سراحهم، أو تحرير وثائق سفرهم المحجوزة.. لكنه لم يتدخل يوما، حين يطال التوقيف ابنه البكر، الذي يخرج ككل الشباب حليق الشعر "عالقرعة".
كانت طلبات كبار السن، مجانية، فهم زبائن الفرع الأول من المقهى في عكا. بعضهم أغمض عينيه، ورحل عن الدنيا في المقهى، وتصبحون على وطن.. هؤلاء تكفل أبو زهير، بكافة تكاليف جنازاتهم، مع إغلاق المقهى يوم الدفن. وسريعا انقضى الجيل الأول!
جمع المقهى، كل أطياف الشعب الفلسطيني، من مثقفين وأكاديميين وشخصيات بارزة، جنبا الى جنب مع العمال والمتواضعين اقتصاديا. ولم يتخذ لنفسه صبغة معينة. الأكاديمي يلعب النرد مع البويجي. العقيد الذي كان يحرر مجلة "فلسطين".. اتخذ احدى الطاولات مكتبا له. والذين اغتربوا للعمل خارج لبنان، كان المقهى محجتهم ومكان تجمعهم، حال وصولهم لبنان.
في مقهى العكاكوي، كان الميسورون يتفقدون المعوزين، من تلقاء أنفسهم، فيجنبونهم ذل السؤال! ومن كان يرحل عن دنيانا من المديونين، كانوا يسامحونه ويبرئون ذمته.. هؤلاء الذين جمعهم هذا الوطن/ المقهى، غالبيتهم من سكان عكا وقضائها، وحين يقولون من عكا، فإنهم يعنون جميع قرى القضاء.
لكن جيل "أبو زهير"، الذي هو أبي، هو من تفتحت عيناي على قصص المقهى، التي تدور حول الوطن وذكرياته وذاكرته. بعضها قمت بنشره وبعضها ما زلت أحتفظ به، لعمل آخر سيأتي.
رحل أبي وأبناء جيله، وما كنت أفهم كيف يهرم ويموت العمالقة! تسلم أخي الكبير، إدارة المقهى لسنوات طويلة لاحقة.. ثم بدأت الانهيارات بفعل الحروب المتنوعة والمتناسخة..
كانت ألوان المقهى بيضاء زاهية. وبلا إعلانات. وسرعان ما تحولت جدرانها الى معرض لكل أنواع الإعلانات.. ففي زمن الثورة، امتلأت بـ "بوسترز" المقاومة، ثم الفصائل.. وانتهت بصور الشهداء.. ثم تعاقبت صور تنتمي لميليشيات محلية.. ثم انتهت بصور مرشحي الانتخابات اللبنانية..
دمر المقهى أكثر من مرة.. وأعيد ترميمه. حطم ونهب.. وانتصب شامخا.. لكن الهرم، والانحطاط الأخلاقي لجيل عابث.. وهرم أخي الكبير.. عجلا بإنزال يافطة "مقهى القسيس"! وقفت أرقب المشهد.. وكأن حجرا كبيرا من سور عكا هوى في بحرها.. سـألت أخي، عن شعوره.. دمعت عيناه وترجرجت شفتيه.. وحين نطق قال: حرمت على نفسي تلك الطريق. وصدفة التقيت بالإعلامي العكاوي خالد الدبسي.. بعد السلام مباشرة، سألني إن كنت شاهدت المقهى، وأشار بيده بإغلاق كتاب.. وقال صفحة من تاريخنا انطوت!!