طوبى للاجئين
حنان باكير
تراجيديا انسانية مروعة بكل المواصفات، أو هي ملحمة العصر، تطالعنا مشاهدها يوميا، حتى اعتدناها كحدث روتيني. مراكب بدائية، انحشر الناس فيها وقوفا كحزمة أينعت رؤوسا. المراكب هشة، تقاوم الموج وثقل حمولتها.. وسرعان ما تنهار، وتلقي بحملها في البحر، والبحر ليس اكثر رحمة من البشر.. فتتناثر الجثث مثل أسماك نافقة، ثم تحصى اعداد الضحايا، فهم مجرد ارقام، لأن الملامح الانسانية والهوية، حكر على العالم المتحضر فقط!
الصحارى تسوط بحرارتها، الهاربين من الموت صوب الحياة. الاسلاك الشائكة تأكل من أجسادهم النازفة، شاحنات أطبقت على أجساد، حتما قامت بدق الجدار، لكن صراخها وأنينها لم يسمعا. الموت واحد، لكن الفاجعة تكمن في اللحظات الاخيرة في مواجهة هكذا موت! بالمئات تكتشف الجثث.. والاعلام يتحدث عن أرقام بلا اسماء.
يختلف الناس في تحديد الجهة التي تتحمل وزر ارواح الضحايا، بعضهم يلوم النظام العربي. أو الربيع العربي، او داعش.. وبعضهم يكيل اللعنات على المهربين، تارة وعلى دول العبور، أو الدول الاوروبية. ولي انا رأيي المتواضع.
أميركا اعترفت بمسؤوليتها في صناعة القاعدة وطالبان.. فقامت بتجنيد أعداد من أشباه العلماء والفقهاء، للبحث في الجوانب المظلمة او السلبية في الدين، وأسست لثقافة تلك الحركات الاصولية المشبوهة. فكل الفتاوى الغريبة، لها جذور في التاريخ الاسلامي او الدين! تزامن هذا الوضع، مع حديث الادارة الأميركية عن الفوضى الخلاقة، وشرق اوسط جديد. فكان ما كان من تدمير لعدد من البلاد العربية.
هذا الشرق الاوسط الجديد، لن تكون اوروبا بمنأى عن نتائجه. حيث تصب فيها افواج المهاجرين، التي تشكل عبئا ماديا، وربما تغييرا في تركيبة المجتمع ونسيجه الاجتماعي، الذي يخشى الاوروبيون على فقدانه. ففي اربعينيات القرن الماضي، سدد الفلسطينيون فاتورة باهظة الثمن نيابة عن اوروبا. عقدة الهولوكوست، اعترف بن غوريون، بأن العرب اول من استنكرها واعتبرها جريمة شنعاء. ومع ذلك منح الاوروبيون فلسطين لليهود كفارة واعتذارا. فعانت من جراء ذلك منطقة الشرق الاوسط من الحروب وعدم الاستقرار.
والآن جاء دور اوروبا، لتسديد فاتورة السياسة الأميركية، في الشرق الاوسط. تسونامي من المهاجرين، الذين ذاقوا الاهوال نتيجة المشروع الجهنمي، سوف يشكلون عبئا ماديا، كون النظام الاجتماعي فيها يقوم بتأمين كافة متطلبات الحياة الكريمة، بما فيها التأمين الصحي والنفسي للمواطن، واكثر هؤلاء اللاجئين سوف يعانون الكثير من المشاكل النفسية.
في السنوات الماضية، انشغلت اوروبا في عقد القمم والتشاورات، لمنع تدفق اللاجئين الى بلدانها. ولم تعر اهتماما، لأسباب هروبهم من اوطانهم، فيما هم يتحملون المسؤولية في المشاركة العسكرية والسياسية، لتدمير العالم العربي، بقيادة أميركا.
ولو أحصينا تكلفة كل لاجىء من المأكل والصحة ومتطلبات الاطفال، وتكلفة الإجراءات الامنية لمراقبة الحدود، والسلاح التدميري بكل اشكاله، لكان من الأوفر على اوروبا، أن تدعم وتثبت السلام في العالم، بدلا من تدميره، وتجنبا لظهور مشكلة اللاجئين، ناهيك عن الآثار النفسية لذلك، والتي ستظهر لاحقا.
هل حقاً هزت صورة الطفل "إيلان" المشاعر في اوروبا ؟ ولو كان ايلان حيّا، فهل سيسمحون له بعبور الحدود؟ وماذا عن آلاف الاطفال الآخرين، في سوريا والعراق وليبيا ولا ننسى اطفال غزة! لا هيروشيما ناغازاكي، ولا مأساة طرد شعب من ارضه، ولا الحربين العالميتين، قد أثرت في الادارات السياسية الغربية، فهل صورة طفل ضحية.. سوف تهزهم؟؟
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي