عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 30 أيار 2018

فرِد بارغس الفائزة بجائرة أميرة أستورياس: عدوة الضوء!

أحمد عبد اللطيف

في مفاجأة معاكسة للتوقعات، أعلنت جائزة أميرة أستورياس الإسبانية، ثاني أهم جائزة إسبانية تمنح لكُتّاب خارج الجنسية الإسبانية لكن أعمالهم مترجمة إليها، فوز الكاتبة الفرنسية فرِد بارغس المشهورة برواياتها البوليسية. ربما يبدو لافتاً للنظر أن تفوز كاتبة بوليسية بجائزة مرموقة، مثل أميرة أستورياس، لكن الغرابة تتلاشى عند معرفة أن رواياتها لا تشبه روايات أخرى، كما أن سيرتها ككاتبة لا تشبه سيرة كاتب آخر، بحسب ما أكدت الصحف الإسبانية الكبرى.
أولًا، اسم فرِد بارغس ليس إلا اسمًا مستعارًا خبأت وراءه اسمها الحقيقي "فريدريك أودو روزو" (باريس 1957)، تعمل في البحث الأثري على الحيوانات، وحتى عام 2005 كانت توفق بين أبحاثها العلمية وكتابة روايات تميزت بالأصالة والقوة التعبيرية، واستطاعت خلال سنوات طويلة أن تحقق نجاحًا في عملها، حتى باتت واحدة من أكبر خبراء العالم في كشوفات الأوبئة السوداء في القرون الوسطى، وفي الوقت نفسه واحدة من أكبر روائيي العالم، وأكثرهم مبيعًا وتقديرًا.
في بلد مثل فرنسا، حيث النجاح صعب والشهرة أصعب، حققت فرِد بارغس شهرة منقطعة النظير، إذ بات ممكناً العثور على رواياتها في أي مكان، سواء في المكتبات الخاصة والعامة، في محطات البنزين، أو المخازن. مع ذلك، كانت على قطيعة مع الأوساط الثقافية، ونادرة الظهور، ونادرًا ما أدلت بحوارات صحافية، وهي كثيرة الهروب من الدعوات لحضور مؤتمرات أو مهرجانات، وحين ظهرت ذات مرة في أسبوع الرواية البوليسية بمدينة خيخون الإسبانية قالت إن "كثيرًا من الأصدقاء كلموني عن أسبوع الرواية البوليسية، لكني منذ خمس سنوات أقاطع معارض الكتاب، وأكرس جلّ وقتي لأبحاثي العلمية حول فيروس البرد A، وهو فيروس بلا رأس، والبحث فيه أفضل من الحديث عن حكاياتي الأدبية"، كما نقلت جريدة "الباييس".
بحسب "لو اكسبريس RTL تعتبر فرِد بارغس الكاتبة الفرنسية الأكثر مقروئية في عام 2017 وكلما زاد نجاحها زاد اختفاؤها، إلا أنها مؤخرًا بدأت تكتب للصحافة على نحو غير دوري. لكن فرِد لا يمكن حصرها في الأكثر مبيعًا فحسب، وإن كان هذا معيارًا لشعبيتها، الأهم بالنسبة لها ولمتابعي حركة الأدب قدرتها على الإمساك بالقارئ عبر قصص معقدة ومدهشة، وعبر حبكة ليست سهلة من حيث الاندماج معها منذ البداية.
 تنقسم أعمال فرِد بارغس إلى سلسلتين تتقاطع كل واحدة منهما مع الأخرى: روايات المحقق أدمسبيرغ، وروايات "الإنجيليون الثلاثة". وأشهر هذه الروايات هي "اهرب سريعًا"، و"اذهب بعيدًا"، و"زمن الثلج"، و"العذراء الثالثة"، و"الجيش العنيف".
العلم والأدب
في تصريحات لها حول مهنتها، تقول فرِد في مقابلة مع جريدة "لو فيجارو": "العمل في الآثار الحيوانية مهنة علمية شديدة التقشف، إنها حفريات، نقوم بفحص عشرات الآلاف من بقايا العظام، ندرسها لنكتشف إن كانت بقايا فئران أو عناكب... ثم علينا أن نعد إحصائيات ونرسم جداول مقارنة. إذن، عملنا ليس مسليًا كل يوم. وخلال فترة طويلة كنت أفكر في أن رواياتي البوليسية لا علاقة لها بمهنتي، وكانت الكتابة مثل الدخول في علاقة. لكنني في النهاية انتبهت إلى أن دراسة الأثر تفتح أمامنا الطريق، حيث كل التاريخ مكتوب، لكنه مصمت: وعلينا أن نستخرجه، أن نترجمه، أن ندرسه، بمعنى آخر أن نحله. ورواية بوليسية تخبئ وراءها حكاية أخرى يجب أن نكتشفها. المؤرخ والمحقق يقتفيان الأثر وكلاهما ينطلق في بحثه من علامات لا يمكن فك شفرتها في البداية".
هذه العلاقة بين المهنة والكتابة، وفي حالة فرِد بين العلم والأدب، دليل آخر إضافي على اشتباك أسئلة كل منهما، فإذا كان سؤال الأدب يدور حول من أين جئنا وأين نذهب، فسؤال العلم يدور حول كيف جئنا وكيف يمكن أن نستمر. من هنا ربما يأتي تميز كتابة فرِد، إنها تأتي من عقل منظم وينطلق في البحث، ما أكسب أعمالها عمقًا لا نتوقعه، عادة، في الروايات البوليسية.
هواجس فرِد بارغس
تزيل الكاتبة الفرنسية في أعمالها الحواجز المفروضة بين العلم والحكاية، ليندمج كل منهما في بوتقة واحدة، وفي كثير من الحكايات تظهر حيوانات وأبحاث تشير إلى الماضي. روايتها "عندما تخرج السجينة"، أكثر كتبها نجاحًا وأهمية، يمكن أن يكون العمل الأكثر تعبيرًا عن وجهتها الفنية، حيث الحبكة الحافلة بالمفاجآت والدوران، لكن أيضًا الحساسية الخاصة في اكتشاف مشاكل العالم المعاصر، وخاصة العنف ضد المرأة.
تعلق آن هيلين سواريث، مترجمة فرِد بارغس، بأن "أدب بارغس من الصعب جدًا تعريفه ومن الصعب تصنيفه". وتضيف: "إنها تستخدم اللغة المثقفة والطبيعية مع معايير أخرى للرواية الرفيعة. شخصياتها أصيلة جدًا، ولديها الكثير من الهواجس والخصوصية، داخل أجواء سردية حافلة بالفكاهة"، بحسب ما صرحت به للباييس.
ورغم تحفظها، كان لـ فرِد بارغس دور كبير في الدفاع عن الإيطالي الهارب قيصر باتيستي المدان بالقتل عام 93، وقد هرب أولًا إلى فرنسا ثم إلى البرازيل، حيث لا يزال يعيش لاجئًا. ولم تتعب النيابة الإيطالية من الإلحاح على أن باتيستي ليس مطاردًا بسبب أفكاره، كعضو في جماعة البروليتاريا المسلحة من أجل الشيوعية، وإنما بسبب أفعاله وجرائمه، مثل اغتيال أربعة أشخاص. فيما ترى فرد بارغس، إلى جانب مثقفين فرنسيين آخرين، أن النيابة لم تقدم أدلة ضده وأن كل القضية ليست إلا مونتاجًا. ولإيمانها بهذه القضية سافرت الكاتبة الفرنسية إلى البرازيل لمقابلته ويقال إنها ساعدته في أن يكون كاتب روايات بوليسية.

النساء في جائزة أميرة أستورياس

 تأسست الجائزة عام 1981، ومنحت إلى ست نساء طول تاريخها. أول من فازت بها كانت كارمن مارتين جايتي عام 88، مناصفة مع الكاتب خوسيه أنخل بالينتي. وكانت جايتي واحدة من أهم الشخصيات الروائية في الآداب الإسبانية في القرن العشرين، ومن بين أعمالها الشهيرة "الحجرة الخلفية".     
ثم بعد عشرين عامًا فازت بها امرأة، مرة أخرى، هذه المرة كانت دوريس ليسينغ، التي فازت بعد ذلك بنوبل، وكان أبرز أعمالها "الكراسة المذهبة" التي حوّلتها إلى أيقونة للمطالب النسوية. وبعد عامين فازت بها امرأتان: المغربية فاطمة مرنيسي، المؤرخة الشهيرة التي كرست حياتها لتحسين ظروف المرأة في المجتمعات الإسلامية، والأميركية سوزان سونتاج لتنوع أنشطتها الفنية والأدبية ما بين مخرجة سينمائية وكاتبة مقال وفيلسوفة وأكاديمية.
في 2005 فازت البرازيلية نيليدا بينيون عن مجمل أعمالها الأدبية مثل "المؤسس" و"قلب متحرك". وكانت الأخيرة في هذه القائمة هي الكندية مارغريت أتوود عام 2008، أي منذ عشر سنوات بالضبط، عن أعمال مثل "قصة الخادمة" التي تحولت إلى مسلسل ناجح لمضمونه النسوي وقوة نقده الاجتماعي