عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 29 أيار 2018

سماء أخرى نظيفة

إلى ابراهيم الجرادي

عبدالله عيسى *
ولا يحتاج للجسرِ القديمِ 
لكي يعودَ ، بفتنة الولد الوسيمِ ، إلى المدينة نفسها . 
فالعائدونَ يمرغونَ جباهَهم ، بتأوّهات الرمل ،
تحت ثياب نسوتهم ، هنا ما بين مجزرتَين ، 
حتى يفعلوا في الليل  ما لم يفعلوه في النهار . 
تمر هذي الحرب أيضا
مثلما عبر المغول على بقايا حِدوتَي فرسٍ 
رأوها تقتفي أثراً لغيمٍ ضلّ
، طوعاً ، عن تُخومِ خِراجِ هارون الرشيدِ . 
كمنْ تدلّى من حواشي اليأسِ 
تسقطُ حوريّةٌ أخرى تُواري سوأةً أخرى لجثّةِ قاتلٍ 
بفَمِ الغرابِ الضالّ من ثُقبِ المكيدةِ في مُخيّلةِ الغريبِ . 

ولا يصدّقُ أنّهُ يحتاجُ لامرأةٍ
تُواسي ظلّهُ المفتُونَ بالقمرِ الذي يغوي على جنباتِ غرّته 
صبايا الحيّ في " قصرِ العذارى " . 
لا يكذّبْ في أصابعهِ التي كبرتْ بماءِ النهرِ
رائحةَ الحصى في خلخالِ سائحةٍ 
أرادتْ أن تُربي في يديهِ تفتّحَ الدُفلى على فستانِها الشفّافِ 
فوق السدّ . 
يغضبُ من تعجّلهِ الفُراتُ ، تقولُ ، حينَ يفيضُ . 
لكنّ التواريخَ القديمةَ تنتهي بخُطى الحماقةِ ذاتِها 
بجهالةِ الكُهّانِ ، 
فيما الفاتحونَ ، وقاطعو الأرحامِ ينتظرونَ خلفَ النهرِ ، 
منقطعي الرجاءِ ، تقولُ لها . 
أنا شاعرٌ لا يُشبهُ إلا قصيدتَهُ ، 
تؤرّقهُ يداهُ على المضاجعِ
حين تذبلُ وردةٌ في مزهريّةِ من يُحبُّ ، 
ولا يعودُ إلى مراياهُ سوى بشهيقِها . 

أنا شاعرٌ 
أشكو لجِذعِ الحورِ غصناً قَدْ يُقصّفُ في مهبّ الريحِ 
قبلَ أوانِهِ ، 
وأشاركُ الصقرَ المُجرّحَ رقصةَ الموتِ الأخيرةِ في الصحارى . 

لمْ أعِشْ حتى أموتَ ، 
ولا أموتُ سوى لأحيا . 

أكتفي منّي بخوفي إذ أحبّ على الذين أحبّ بما أحبّ : 
ثيابُ جارتِنا على حبلِ الغسيلِ من اللصوصِ ، 
وقاطعي الطُرُقِ التي تأتي بهم عُميانَ ، 
أو حرسِ الحدودِ العائدينَ بخيبةِ الموتى . 
مزاميرُ الرُعاةِ الطيّبينَ 
يؤانِسونَ برعشةِ الأنفاسِ قُطعانَ العشيرةِ في تلالِ الغيرِ . 
وابنَةُ صاحبي الأعمى الذي أفشى بِسِرّ المخبرِ الثرثارِ لي ، 
فوجدتُهُ في السجنِ يحملُ شمعةً ليراهُ سجّانوهُ . 
والضوءُ المُخادِعُ في ابتسامةِ أختيَ الصغرى التي كبُرتْ
كثيراً في مُخيّلةِ الرجالِ ، 
وكنتُ أحمي لفظتي ، في غربتي ،  من حنكةِ الفُصحاءِ والحمقى  
بتعليمِ اليسارٍ العالميّ الفرقَ بينَ اللهجةِ البدويّةِ الأولى 
وشعرِ الجاهليةِ .
قبرُ أمّي يرتقي فوق الجبالِ مدارجَ الحجلِ المهاجرِ . 
لم أعُدْ إلا لأذكُرَ ذلكَ الولدَ الوسيمَ 
يحكّ فكرتَهُ ليسحبٓ كفّكِ البيضاءَ من شعري ، 
ولا تستيقظينَ 
  ولم أعُدْ إلا لأروي مالذي سوّتْ يدي بي في المنافي والبحارِ 
لتغفري لي . 
أصدقائي المنهكونَ ، بما رأى القتلى ، من الحربِ التي  وقفتْ على العتباتِ كي تبقى  ، 
 وتنظيفِ الشوارعِ والممرّاتِ التي هرمتْ
من الجثثِ التي لن يعرفوا أنسابَها الأولى سوى بعد انتهاءِ الهدنةِ الأولى  .

وهذي الحربُ أيضاً لا تمرّ 
 كأن أمطارَ الشمالِ توقّفتْ ، مثل القرى والنازحين ، عن النموّ . 
وليس للحوذيّ أن يصلَ العناوينَ التي اندثرتْ عميقاً في الركامِ
بأهلها متقطّعي الأنفاسِ والأوصالِ في سُفُنِ اللجوءِ وفي المحطّاتِ البعيدةِ ، 
ليسَ للمدُنِ التي صارتْ تكلّمنا بأكثرَ من لسانٍ أشبه بتلعثمِ الأبواقِ يومَ الحشرِ
أن تتذكّرَ الضوءَ الخفيفَ وظلّهُ المذعورَ بين التماثيلِ التي سقطتْ تباعاً مثلنا في مادةِ التاريخِ ، 
أو لحرارةِ اليدِ أن تحثّ عقاربَ الساعاتِ كي تتعجّلَ الأبدَ الذي صلبوهُ في ديرِ النصارى . 
الخارجون من المرايا بالطرائدِ ذاتها تتأوّهُ بين السهامِ الطائشاتِ ، 
ويشبهونَ حجارةَ الكهوفِ العتيقةَ في أساطيرٍ رثتْها دوننا الأممُ القديمةُ 
غيرَ أنكَ لن ترى أجسادهمْ بين التماثيلِ التي كانت تعاتبُ في المتاحفِ تحتَ خبطِ فؤوسهمْ حسراتِنا . 
ما عادَ يكفي كلّ هذا الموتِ 
كي تجدَ السريرَ ، سريرَكَ الميؤوسَ منه ، في مضاجعِ من نجا بين المرايا والممرّاتِ التي يئستْ من الأحياءِ بعد رحيلِهمْ ، 
أو تكتفي ، مثلي ، بمن حضرَ الجنازةَ
كي تردّدَ أغنياتِ القانطينَ من الحياةِ وخائبي الآمالِ فوق سطحِ سفينةٍ غرقتْ بهمْ في لجّةِ المتوسّطِ ، 
الأحياءُ وحدهمُ الذين يصدّقونَ بكاؤهُمْ . 
ما عادَ يكفي كلّ هذا 
كي تقولَ لعالمِ الآثارِ أن قصيدةَ النثرِ التي هدمتْ عمودَ البيتِ يجدرُ أن تُعلّقَ كالجداريّاتِ القديمةِ فوقَ جدرانِ المتاحفِ كي تحُدّ منَ انتشارِ العنفِ والإرهابِ . 
  
لا تحتاجُ أن تلقي بفكرتِكَ التي هرمتْ كخارطةِ الخوارزميّ في أرشيفِ " أوكسفورد" على صحفيّةٍ تتحدّثُ العربيةَ الفصحى بلكنةِ  " بلدوينَ "
الأوّلِ . الدولُ التي نسيتْ خرائطَها الجديدةَ في حقائبِ فاتحيها لم تعدْ تتذكّرُ القتلى سوى لتؤنّبَ الأحياء . 
فاتلُُ قصيدةً نثريةً أخرى لِتَروِ حذاقةَ الأشياءِ في تحديثِ أشكالِ الصراعِ على البقاءِ .
كأننا نحتاجُ أن نبقى هنا في سيرةِ الأمواتِ أشباهَ سُكارى .
*شاعر فلسطيني يقيم في موسكو