عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 أيلول 2015

الامل ينتحر في غزة

بقلم: تحسين الاسطل

تمضي بنا الايام والشهور والسنوات في انتظار قطار المستقبل، وهرمت النفوس، واشتعل الرأس شيبا، وما زلنا نراوح ذات المكان بلا حراك، بفعل اختلافنا وانقسامنا على حق ما زال في يد عدونا، فبات الانقسام الفعل الفلسطيني الوحيد الذي يحظى بالدعم والاعتراف والمساندة من دولة الاحتلال.

ثماني سنوات عجاف مرت على قطاع غزة، كل شيء توقف خلالها، الا مكنة الانسان البشرية، فمن كانوا اطفالا حينما اقتتل رجال المقاومة، وانقسمنا على انفسنا، اصبحوا الآن في ريعان الشباب، ينتظرون حقهم من المجتمع في المستقبل، الذي بات مفقودا بإرادتنا وعلمنا وفعلنا، ولكن بسبب اجندات ضيقة لا يرى فيها البعض السياسي الا نفسه، ويعتقد ان الدنيا باتت له وحده عندما تجرأ على الدم الفلسطيني، وشاهدنا الفلسطيني يكبر ويرقص على جثة اخيه الذي قتله للتو، فاصبح من يومها غيره.

ومع مرور الايام كبر الانقسام وتوحش اصحابه وازداد طمعهم في التوسع بالحياة والتشبع برغباتها وتلبية متطلباتها، فحفروا الارض وشقوا البحر في معركة البقاء، فيما كانت مسافة العودة الى اخوتهم اقرب من عمق نفق مظلم ينهار عليهم في غمرة البحث عن المخرج بعيدا عن المصالحة والشراكة.

ثماني سنوات من الحصار، تخللتها ثلاث حروب، تركت خلفها آلاف المآسي، ففي كل ركن وزاوية بغزة هناك قصة وامل دفنا تحت التراب، او غرقا مع اصحابها في اعماق البحار، في رحلة البحث عن الامل والمستقبل، التي يحرم منها جيل كامل.

وزير العمل في حكومة الوفاق - حيث لا وفاق - يؤكد ان البطالة في صفوف الشباب تجاوزت كل الحدود، وتجاوزت الـ" 40% " فيما وصل حد الفقر الى مستويات لا يمكن تخيلها في مجتمع يشكل الشباب 65 % منه، ويؤكد ان كل المساعدات الدولية ما هي الا وهم كبير امام الواقع المؤلم.

فالمأساة التي وجد الشباب الفلسطيني انفسهم فيها، لم تترك امامهم أي امل في المستقبل، في ظل الاختلاف في السرعات والتفكير والاهداف والمشاريع فيمن يتحكم بزمام الامور فيها، وسط تجاهل بشكل كامل للمعاناة والمآسي التي يعرفونها، الا ان حب الذات والانتصار لها وانانية الجماعة، والبيعة لغير الوطن احبطت كل الآمال في الخروج من هذا الواقع المؤلم، ودفعت الشباب الى افعال واعمال لا يمكن تخليها او تصورها، فيما تنتشر الجريمة والاحتيال بطرق مختلفة تهدد المجتمع واستقراره الذي كان سائدا ومعروفا، فيما يتعامل فيمن يفترض انهم موظفو الدولة والسلطات المحلية وكأنهم في سويسرا، فطبقوا وحصلوا كل ضريبة او مخالفة في القانون، ونصبوا الكمائن للإيقاع بأصحاب السيارات بحثا عن مخالفة، وحينما لم تشبع رغباتهم فرضت ضرائب لم نسمع عنها من قبل.

غزة حيث لا مقومات للحياة كما تؤكد بعض التقارير الدولية، انتهى الامل فيها، ولم تعد المسكنات التي تطلق من هنا وهناك تجدي نفعا، امام متطلبات الحياة للشباب باتوا يشعرون انهم محاربون من الداخل، ومن المحيط، من المحيط الذي يحاصرهم، ومن السلطات المحلية والشرطية التي تريد ان تحصل الرخص والضرائب، وتبحث عن المخالفات، ولا تأخذ في اعتبارها أي واقع مؤلم لشبابنا، فلم توفر له فرصة عمل او الحياة بكرامة، وفي نفس الوقت تمنعهم من أي وسيلة كريمة يحاول ان يحصل بها على قوت يومه بشق الانفس.

اليوم بات الامل ينتحر هنا، فإن لم نتحمل جميعا المسؤولية، ونساعد شبابنا وانفسنا في الخروج الامن والكريم الى المستقبل، سنشاهد كثيرا من حالات الانتحار لانسداد الافق، وربما سنشتاق الى محاولات الانتحار الفردية، عندما يفقد العقل الجمعي الامل، ويصبح الموت الوسيلة الوحيدة للخروج من حياة بلا هدف او كرامة.

والله من وراء القصد