عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 21 أيار 2018

جمعة.. وجمال ...سماء أكثر رحابة

ناجي الناجي


لم يكن يليق بتلك البدايات والحكايات والقامات نهايةً رتيبة أو ختاماً اعتيادياً مألوفاً، ولم يكن بديهياً  تصوّر أن من بنى تلك السير فعلاً وسرداً سينتهي به الأمر والسيرة  بعد رحيل آخر المعزيّن 
إن تفاصيل علاقة جمعة وجمال ناجي هي تمثيل سوسيولوجي حي لما ألمّ بعائلة فلسطينية جرّدتها النكبة من كل ما تملك، وزرعت داخل أفرادها مرارة غذتها السنون وضيم الأزمنة الغابرة، حمل الفتى جمعة بندقيته وسافر إلى المجهول بحثاً عن عودة مأمولة ونصر محتمل وكرامة سليبة، وبقي الطفل  جمال واقفاً عند باب الخيمة منتظراً شقيقه الأكبر والبلاد العائدة على كتفيه
خلال الانتظار، كبر جمال وتحمّل مسؤولية الخيمة وسكانها، كان دائم التأمل والنظر المترامي، أمسك الريشة وبدأ يبحث عن البلاد في علبة الألوان، وشرع في تصيير الألم حرفاً والانتظار حكايةً والأمل قصيدة، وبقي جمعة يرى بحر البلاد عبر فوّهة، حتى خُذلت البندقية وأمست أفرولات العسكر بذلاً وربطات عنق، وتناثر الثوار والمقاتلون في أصقاع البسيطة، فكانت النكبة الثانية لجمعة، الذي أبى مجدداً الاستسلام لضوابطها وشروط حداثتها، وظل طوال المسيرة ثائراً حالماً وحدوياً قومياً  رافضاً كافة المفردات الوليدة الطارئة على قاموس الثورة
آمن جمال بالبهاء، وراهن على أن الإبداع قادر على محو كل قبيح، واتخذ من الأدب وطناً، ووجد في السرد والرواية سلاحه الأقوى في الرصد والتوثيق وبعث الحيوات في الأصنام الصمّاء، كان يتعامل مع نصوصه بدفىء فريد محملاً كل منها مسؤولية سبر أغوار المتلقي وتحقيق المراد، كان النص ابنه الذي يكبر وينضج مع الزمن دونما أن يشيخ
كان رابط ما يصل الشقيقين ببعضهما البعض بالرغم من عدم القدرة على التواصل المباشر والعيش المشترك بسبب تنقل جمعة بين منافي الثورة الفلسطينية المتناثرة شرقاً وغرباً، وبقيت الرسالة الورقية المستترة من مناديب الأنظمة وحدها وسيلة التواصل بينهما لسنوات طوال، كان جمعة بالنسبة لجمال هو الأمل، فأهداه في العام 1984 روايته "وقت" كاتباً إلى شقيقه: "وإذ تتدثرالأشياء أردية الظلام والسكون؛ تكف شماريخ الطيور عن تحليقها في فلوات الفضاء، لكنها تظل متيقظة؛ بانتظار فجر آخر..لابد آت"، ثم عاد بعد ثمانية وعشرين عاماً ليهديه روايته السابعة "غريب النهر" في العام 2012 سائلاً إياه:  " أخي جمعة ..أما زلت تذكر ؟" 
كان جمال يعني لجمعة النقاء والتضحية وإنكار الذات، وذكر جمعة غير مرة أن الخطوط الحمراء بالنسبة له هي القدس واللاجئين وجمال، وكثيراً ما كان ينسى أن الطفل كبر وأصبح مبدعاً كبيراً له جمهوره ومحبيه، فكان يتلمس وجه بحنو بالغ قبل أن يتذكر أنهما ليسا وحدهما، وفي لقائهما الأخير في القاهرة عندما زار جمال شقيقه في المشفى وأمضيا سوياً أربعة أيام، كانت الأعين تتحدث أكثر من الألسنة، كان جمال يسترق النظر إلى الأجهزة الموصولة إلى أعضاء جمعة مستنذلاً الزمن الغادر غير المنصف، وكان جمعة ينظر إلى جمال بزهو وهو يراه إنساناً عظيماً، كان جمال يحاول استجلاب الذاكرة المجيدة المحببة لأخيه، وكان يعرف كيف يزوّده بجرعات من فخر علّها تسحق المرض
قبل سفر جمال شدّ جمعة على يديه، واحتضنه بقوة لا يحتملها جسده المنهك وقتئذ، في الطريق إلى المطار لم يتمالك جمال نفسه وبكى، قال: " إنه الوداع، لن أرى جمعة مرة أخرى"،  بعدها بأيام قلائل قرر جمعة الرحيل، كانت فاجعة بالنسبة لجمال وللجميع، ربما لأن اسمه ارتبط بالعزيمة والإصرار والرفض والأمل، ولأن لم يكن من السهل على أحد تصديق أن من يسبح في كانون ويسير أربع ساعات ويدخن خمس علب سجائر ويعارض كل الأنظمة وينتقد كل القيادات ويناصر كل الثورات ويجاهر الجميع بعيوبهم، من الممكن أن يغيب كالآخرين.
كسر غياب جمعة شقيقه، وأصيب باضطراب ضغط الدم الذي أًصبح يصعد ويهبط بحدة، وعند إقامة تأبين جمعة في عمّان بدا جمال على غير عادته،  كان الألم يعتصره ووجه أقرب إلى الزرقة، غادر رابطة الكتاب فور الإنتهاء من التأبين متألم الروح والجسد، لم يقو على فراقه أكثر من ثمانية وخمسين يوماً، ليقرر بعدها اللحاق به في عالم آخر أكثر رحابة وأقل ضيماً
أثر الشقيقين وتقاطع نتائج ما قُدّم وبُذل خلال الرحلة الطويلة  ظهر جليّاً بعد الرحيل، وكان معياره الرئيس محبة رجل الشارع، الذين اتضح أنهما قد استطاعا إلى الوصول إلى فؤاده ووجدانه كل بطريقته، ورثاهما مئات الكتاب والمثقفين والساسة والقراء والتلاميذ، ورُفعت صور جمعة في شارع الحبيب بورقيبة من محبيه، وتحدث قراء جمال عن أثره في حيواتهم الخاصة، وكشف العديد لأسرتيهما عن تماسهما مع آلام البشر وتقديمهما كل ما يستطيعان للتكاتف والمساعدة
أذكر أن أكثر مرة ألاحظ الشبه بينهما، كان وأنا أمسّد وجه جمعة المسجّى في القاهرة، وبعدها بشهرين وأنا أمشي بأصابعي على وجه جمال، التضاريس ذاتها، الصفاء ذاته، النقاء ذاته، كان ضمير راض يسكن الجسدين، ولا أنكر أن شعوراً دفيناً توّلد لدي بأن السماء الآن أكثر رحابة، وأن جُلّي هناك، وبعض بعضي هنا
لم تحتمل البسيطة اجتماع جمعة وجمال سوياً، أمضيا أربعة وستين عاماً يبحثان عن بعضهما البعض دون جدوى، لأن في زمن الاستعمار الجديد أمسى الوطن الوحيد القادر على استعياب شتاتنا هو السماء، فهنيئاً لهما اللقاء بعد طول المسيرة، وهنيئاً للسماء أنقى من نملك