زفّة قوميّة بلا كوابح
تغريدة الصباح- محمد علي طه
دخل الجنديّ أليئور أزاريا السّجن العسكريّ بزفّة قوميّة شارك فيها رئيس الوزراء الاسرائيليّ وعدد من وزرائه وائتلافه اليمينيّ المتطرّف. وتبارى كثيرون من السّاسة الاسرائيليّين في إغداق الحبّ على الشّابّ القاتل الّذي لم يفعل شيئًا شاذًّا، ولم يرتكب جرمًا عاديًا أو غير عاديّ، فكل ما فعله هو إطلاق رصاصات معدودة على الشّاب الفلسطينيّ الجريح عبد الفتّاح الشّريف.
وخرج العسكريّ أزاريا بعد تسعة أشهر من السّجن، (هذا هو ثمن العربيّ القتيل وهو ثمن باهظ وظالم في عرف قادة إسرائيل)، تحفّهُ زفّةٌ قوميّةٌ أيضًا شارك فيها رئيس الوزراء ووزير الدّفاع ووزير المعارف ووزيرة الثّقافة ووزير آخر يقال إِنّه وزير الاتصالات ورئيس بلديّة الرّملة ومغنٍّ معروف والمحرّر الرئيسيّ للقنال التلفزيونيّ 20، كما زيّن عمّال بلديّة الرّملة الشّوارع بأعلام الدّولة، وصدحت الموسيقى في شوارع المدينة وأحيائها..."وجينا وجينا، وجبنا بطل إسرائيل وجينا!" وأكّد هؤلاء السّادة للشّعب الاسرائيليّ أنّ أزاريا هو "ابن الجميع" ونموذج لجنديّ الاحتلال في المناطق الفلسطينيّة الّتي تعاني من شراسة الاحتلال والأبارتهايد.
قد يستغرب البعض منّا هذه "الهيصة" فأزاريا جنديّ مثل آلاف الجنود الإسرائيليّين، الّذين خدموا أو يخدمون في المناطق الفلسطينيّة المحتلّة، وكلّ ما فعله شيء عاديّ جدًا، وبسيط جدًا، فقد أطلق رصاصات قليلة من مسدسه على جسد شابّ فلسطينيّ مضرّج بالدّم وملقًى على الأرض في ساحة عامّة، وأراحه من الإعاقة الدّائمة ومن العيش المرّ في ظلّ الاحتلال.
ورافق إعدام الشريف تصفيق وتشجيع عدد من المستوطنين... وهذا عاديّ أيضًا.
ما فعله أزاريا طبيعيّ بعدما سمع في سنوات مراهقته وشبابه إطراء نتنياهو للمواطنين العرب في دولة إسرائيل، ودرر السّتّ ميري ريغف، وحِكَم الوزير الإنسانيّ نفتالي بينت، وأقوال الوزير أبي بلطة ومواعظ رابي مدينة صفد، وبعدما شاهد شريط محرقة عائلة دوابشة وشريط العرس الشّهير.
على ماذا هذه الزّفة؟
الجنديّ أزاريا لم يقتل سوى عربيّ فلسطينيّ واحد فقط لا غير، عربيّ جريح لا حول له ولا قوّة، ولذلك لا يستطيع أن يقف في ساحة المدينة ويتباهى "من قتل عربًا أكثر منّي؟" فأين هو من الجنرالات إيتان وشارون وبن إليعيزر وبراك وهلمجرّا؟
والجنديّ أزاريا لم يدخل حارات دير ياسين والدّوايمة والطّنطورة، ولم يرَ حركة راحة يد دافيد بن غوريون، ولم يكن مع رابين في ساحة مسجد دهمش، ولم يدخل قبيّة، ولم يَخصِ مختار بيسان، ولم يسمع أوامر ديّان ولم يقاتل في ثلاثيّة سيناء.
كتب الكاتب البارز مئير شليف: "انّ دولة فيها أليئور أزاريا بطل، وعهد التّميميّ خطر استراتيجيّ فلا بدّ أن تكون الطيّارة الورقيّة إرهابًا..".
أزاريا جنديّ اسرائيليّ عاديّ أجهز على فلسطينيّ جريح يقاوم الاحتلال حبًّا بالحرّيّة والاستقلال وكلّ ما رافق عمليّة الإعدام هو صورة لتدهور أخلاق المجتمع الاسرائيليّ الّذي يقوده اليمين الشّرس منذ عقود في منحدر حادّ بلا كوابح، بلا كوابح، بلا كوابح.. ولا يتساءلون: الى أين؟ الى أين؟
ونحن ندري...