عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 12 أيار 2018

القصة لم تنتهِ

يديعوت – ناحوم برنياع

2018  هو عام سيئ للمحللين. فالتقويمات السياسية المعمقة تنهار بين ليلة وضحاها، وتوقعات استراتيجية معللة لا تنجو في نهاية اليوم. فالسياسة العالمية تدار بطريق ليس بطريق، وفقا لخطة توجيه تتناقض مع كل منطق تحليلي. ايران، "دكتاتورية اسلامية" ذات 80 مليون نسمة، تتصدى هذه الايام لهجمات في جبهتين، سوريا والنووي، ومع أزمة اقتصادية ومعنوية من الداخل. قذائف تطلق نحو قواعد ايرانية في سوريا؛ صواريخ تطلق نحو اهداف اسرائيلية في الجولان. رجال جيش ايرانيون ينقلون بالطائرات الى الديار في التوابيت. لا احد يعرف كيف يتنبأ كيف ستنتهي هذه القصة، لا في الكريا في تل ابيب ولا في المسجد في قم. شيء واحد متفق عليه بين الجميع: هذا لم ينتهِ.
اقترح الا نستخف بمعنى المواجهة بين اسرائيل وايران. دولتان تلاحقان الواحدة الاخرى لسنوات: ايران من خلال مبعوثيها، رجال حزب الله؛ اسرائيل في عمليات سرية. في الشهر الاخير نزعت الاقنعة. هذا الشهر بدأ في 7 نيسان، في قصف من الجو لمنشأة ايرانية في مطار "تي 4" في شمال سوريا. اسرائيل امتنعت عن أخذ المسؤولية؛ بعد ذلك، على خلفية معلومات استخبارية عن نية ايرانية لتوجيه ضربة مضادة، غيرت اسرائيل قواعد اللعب. ايران تعرض كهدف، كعدو شرعي لمهاجمته. فهجمات سلاح الجو على اهداف ايرانية في سوريا خدمت هدفين فوريين: اجبار الايرانيين على دفع ثمن على تثبيت وجودهم في سوريا، وتشجيع ترامب على الانسحاب من الاتفاق النووي. وصحيح حتى هذه اللحظة، فقد تحقق الهدفان.
حسب مصادر الجيش الاسرائيلي، فان ما حاولت ايران عمله هو نسخ النموذج من اليمن الى الجبهة السورية. في كل ليلة تطلق من اليمن صواريخ نحو اهداف في السعودية. الصواريخ من انتاج ايراني، التخطيط والقيادة من حزب الله، والاطلاق عمليا من الايرانيين، رجال قوة القدس من الحرس الثوري، ومقاتلين حوثيين. ايران لا تأخذ المسؤولية: مريح لها الابقاء على الغموض، وذلك ايضا بسبب مكانتها الحساسة في العالم واساسا بسبب الانتقاد الداخلي. اما الحملة الاسرائيلية فتستهدف نقل رسالة الى الحكومات في العالم والى الشارع الايراني: ايران هي العنوان.
ان التطلعات الاسرائيلية للمدى البعيد بعيدة الاثر: دفع ايران الى انهيار اقتصادي من خلال العقوبات الاميركية. وسيولد الانهيار الاقتصادي تغييرا في النظام. وسيتخلى النظام الجديد عن الخيار النووي وعن مخططات التوسع الايرانية في المنطقة. ما ادى الى انهيار الاتحاد السوفييتي في التسعينيات من القرن الماضي سيؤدي الى انهيار الجمهورية الاسلامية. الرئيس ريغان فعل هذا للسوفييت؛ الرئيس ترامب سيفعل هذا للايرانيين. اما ترامب فقد احب الفكرة.
ولكن انهيار الاتحاد السوفييتي ليس النموذج التاريخي الوحيد. فمصر هزمت في حرب الايام الستة؛ اسرائيل عادت وضربتها في حرب الاستنزاف، وجاء الجواب في حرب يوم الغفران، وهذه كانت قاسية واليمة. في بداية الثمانينيات تحكمت اسرائيل بالسياسة اللبنانية. اختارت رئيسا وأملت اتفاق سلام. اما النتيجة فكانت ورطة لسنوات جيل. في الشرق الاوسط يتم دفع ثمن باهظ على الطموح الزائد.
اليكم بضع ملاحظات على هامش الوضع:
* أثر الفراشة. الانسحاب الاميركي من الاتفاق النووي يبدأ باحباطات الطبقة الوسطى البيضاء في بلدات المحيط في عدة ولايات اساسية في الولايات المتحدة. فالاحباطات أدى الى انتخاب ترامب. مشكوك أن يكون رئيس آخر، جمهوري أو ديمقراطي، كان سينسحب من الاتفاق، وبالتأكيد ليس لهذا التوقيت وفي هذه الطريقة الفظة، في ظل المواجهة العلنية مع كل العالم باستثناء ثلاث دول – اسرائيل، السعودية والامارات.
* مؤامرة الصمت. تتحدث الاسطورة عن ميداس، ابن الملك غورديوس، الذي ربط عربة ابيه ربطة لم ينجح احد في فكها. ذات يوم حدث أن وصل الى المكان اسكندر المقدوني. فامتشق سيفه وقطع الحبل. وهكذا ضمن لنفسه احتلال آسيا الصغرى ولقب "الاكبر". يمكن للمرء أن يقضي اياما في الاحاديث عن جهل ترامب في العلاقات الدولية. عن احتقاره للدبلوماسية، للحلفاء وللاتفاقات الدولية وعن الخطر المرتقب منه على السلام العالمي.. ولكن الحقيقة هي ان العالم حاليا يسير على الخط وفقا لارادته: فقد نجح. غداة الانسحاب من الاتفاق النووي يثيبه حاكم كوريا الشمالية ببادرة طيبة – تحرير ثلاثة اميركيين. يحتمل أن نكون نقلل من اهمية الجهل: فهو يسمح بالعمل من خارج العلبة وتجاهل المسلمات التي انقضى زمنها؛ يحتمل أننا نكون نقلل من اهمية الفضاء: فهي تدفع الخصوم الى الانحناء. مع الانذال كن نذلا، قال آباؤنا.
* Plan B : احدى الحجج الجدية لمعارضي الانسحاب هي انه ليس لادارة ترامب خطة بديلة. ترامب عرض على الإيرانيين صيغة واحدة- الشروع في مفاوضات على اتفاق جديد، يتضمن الغاء المشروع النووي والانسحاب من التدخل الإيراني في المنطقة. اذا رفضت ايران، هدد ترامب، فستتحمل النتائج. التهديد ليس خطة، يقول المنتقدون. ما هي خطتك؟ ليس لدى ترامب جواب.
* اثر نتنياهو. يوم الثلاثاء مجد الرئيس الأميركي، نتنياهو في البيت الأبيض؛ يوم الأربعاء عانقه الرئيس الروسي في الساحة الحمراء. لم يحظَ أي زعيم إسرائيلي بهذا التواصل، ومشكوك ان يكون أي زعيم لاي دولة أخرى حظي به (ربما اردوغان، ليس مؤكدا). فضلا عن ذلك: لم يكن نتنياهو مطالبا بان يدفع ثمنا للتنازلات على التشريفات التي أعطيت له. هذه الشمبانيا أعطيت بالمجان. في عالم ترامب وبوتين، نتنياهو هو زعيم دولة قوية، مجرب، ذو قيم مشابهة، زعيم من المجدي مراعاته. لا شك ان حياة نتنياهو المهنية كوزير خارجية انجح من مهنته كوزير للاتصالات. فهل يعتزل في ذروتها؟ في إسرائيل لا احد يعتزل في الذروة، فما بالك نتنياهو.
* اثر العولمة. ثلاث حكومات أوروبية – المانيا، فرنسا وبريطانيا بذلت في الأسابيع الأخيرة جهودا جبارة في شق طرق التفافية للعقوبات الاميركية. لاسف أوروبا، هذه الجهود تصطدم بسور شبه منيع – العولمة. فالدورة التجارية العالمية تمر عبر مدينة واحدة، نيويورك، وتلمس بطرق لا تحصى الاقتصاد الأميركي. والعقوبات تفتح ثغرة للادعاء ليس فقط ضد شركة تعقد صفقات مع ايران بل وضد شركة تعقد صفقات مع شركة تعقد صفقات مع ايران. المستثمرون يهربون؛ التجار يهربون؛ البنوك تهرب. الطريق الوحيد لعقد الصفقات هو بالخداع. الإيرانيون جيدون في هذا؛ فعلى مدى السنين حازوا على بنك في البحرين بيض المليارات لهم. هذا البنك انكشف. أخرى لم تنكشف؛ متوقع في هذا الشأن عمل كثير لقواتنا.
* حلف الزوجية. الفرضية الخفية في الخطوة الإسرائيلية هي ان أميركا ستعالج التهديد على إسرائيل من طهران، وروسيا ستصد ايران في سوريا. وحقيقة ان بوتين اختار التقاط الصور مع نتنياهو في ذروة هجمات سلاح الجو وبعد يوم من الانسحاب الأميركي، ليس صدفة. فبوتين يرغب في نقل رسالة للايرانيين. هو يحتاج الى الهدوء على مدى الصيف. وهو لن يسمح لإيران او لإسرائيل بان تخربا عليه المونديال.
* اثر الطائرات الورقية. لا توجد في القاموس الإسرائيلي اكثر تآكلا من كلمة "إرهاب". "إرهاب" الطائرات الورقية، "إرهاب" البالونات؛ "الإرهاب" السياسي؛ "الإرهاب" الزراعي، "الإرهاب" الاقتصادي، الحرائق في الحقول وفي الاحراش للكيبوتسات مؤسفة وتبرر التعويض، ولكن عبارة "إرهاب" كبيرة عليها. هناك حتى عدالة شعرية في حقيقة ان الجيش الإسرائيلي كلي القدرة، الذي استثمر المليارات في العائق التحت ارضي، يجد صعوبة في التصدي لطائرات ورقية. فلعلنا نوقف تزويد غزة بالخيطان؟ بالاوراق الملونة؟ ولعلنا نكسر لهم اتجاه الريح؟ الوضع في غزة يائس. لإسرائيل عدة إمكانيات: احتلال غزة؛ الهجوم على غزة والخروج؛ السير ضد حماس؛ الاستجابة لاقتراح حماس بوقف النار، هدنة، لعشر سنوات. الخيار الرابع هو الأكثر عملية. وزير الدفاع رفضه رفضا باتا.
* اثر ترامب. التغييرات في قواعد اللعب لا تتوقف في السياسة الدولية: فهي تتسلل الى السياسة الداخلية في سلسلة من الدول الديمقراطية. إسرائيل هي واحدة منها: الأحزاب التي تشكل الائتلاف فيها مليئة بالترامبيين. اذا كان هذا ينجح لترامب، يقولون، فلماذا لا ينجح لي. والنتيجة هي مشاريع قوانين تستهدف هدم النسيج الحساس الذي يحيط بالديمقراطية الإسرائيلية. النتيجة هي هجمات عديمة اللجام على الجهات القضائية، رقابة الدولة، الجيش، الاعلام، المؤسسات الثقافية. لا يوجد هنا توجيه من فوق – فقط سياسيون كل واحد منهم يشد البطانية باتجاهه، نحو نزوته. مع ايران، إسرائيل ستتدبر أمرها؛ السؤال مفتوح اذا كانت ستعرف كيف ستتدبر امرها مع الترامبيين.