التصعيد المحسوب
نبض الحياة .. عمر حلمي الغول
شهدت ليلة الخميس الجمعة الماضية فجر العاشر من أيار الحالي اشتباكا صاروخيا بين سوريا وإسرائيل الاستعمارية، حيث قامت القوات السورية وحلفاؤها الإيرانيون بإطلاق ما بين عشرين وثلاثين صاروخ أرض أرض التكتيكية على المواقع العسكرية الإسرائيلية في الجولان، فردت إسرائيل بقصف جوي نفذته طائرات F15 وF16، وألقت 60 صاروخا على العديد من المواقع في الأراضي السورية. وكانت إسرائيل، حسبما أعلنت، انها أبلغت كلا من أميركا وروسيا الاتحادية (التي كان يزورها نتنياهو في نفس اللحظة)، والاتحاد الأوروبي. كما أن سوريا كانت أبلغت روسيا بما ستقوم به، وبدورها ابلغت إسرائيل وأميركا بالأمر. وهو ما يشير إلى أن العمليات الحربية ليست مفاجئة لأي طرف، ومحسوبة النتائج سلفا، وتحت السيطرة.
اللافت أن التصعيد بين الجانبين يأتي مباشرة مع إعلان الرئيس دونالد ترامب عن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق 5+1، وفي أعقاب عمليات القصف الإسرائيلية المتوالية على المواقع السورية بذريعة انها مراكز تؤوي القوات الإيرانية، أو انها أسلحة متوجهة لحزب الله. وكأن سوريا وحليفها الإيراني شاءا ارسال رسالة لكل من أميركا وإسرائيل، أن زمن الصمت قد ولى، ولدينا القدرة على الرد، وإرباك المنظومة الأمنية الإسرائيلية ومن خلفها أميركا. وأن انسحاب أميركا من الاتفاق النووي الإيراني لا يقلق القيادة الإيرانية.
وكان كل من نتنياهو ووزير حربه، ليبرمان أعلنا بشكل واضح، أنهما اتفقا مع القيادة الروسية بعدم تضييق الخناق على إسرائيل، والسماح لها بضرب أية أهداف تعتقد انها تمس بمصالحها الحيوية، وانها معنية بالحؤول دون وصول الإيرانيين إلى حدودها الشمالية على الجولان. لأن ذلك يؤثر على أمنها. الأمر الذي يكشف عن معادلة سياسية عسكرية مشوبة بالمحاذير، وفيها الكثير من التداخل والتشويش والخلط المتعمد للمعايير، وتحمل في طياتها علامات سؤال كبيرة حول الدور الروسي وأهدافه في سوريا والمنطقة عموما، لاسيما أن الاتحاد الروسي يعتبر الحليف الأساسي لنظام بشار الأسد، وفي ذات الوقت يحافظ مع إسرائيل على جسور من الثقة المتبادلة، ويحرص على إبقاء الخط الساخن مفتوحا معها، أضف إلى انها (إسرائيل) تشكل جسر تواصل إضافيا مع الولايات المتحدة، لا سيما ان الخطوط مفتوحة بين القطبين.
ارتباطا بما تقدم، يمكن الخلوص إلى الاستنتاج العلمي، القائل ان عملية التصعيد بين سوريا وحليفها الإيراني مع دولة الاستعمار الإسرائيلية محسوبة ومضبوطة، ولا تتجاوز الخطوط الحمراء للأقطاب الدولية المعنية بالملف السوري. وهو ما يؤكد انها تندرج في نطاق سياسة عض الأصابع بين الطرفين أو الأطراف المختلفة المتورطة بها. وتسمح لكل طرف مع الفارق في موازين القوى، وفي خلفيات كل طرف من وراء التصعيد، من الأطراف المختلفة أن يحفظ ماء وجهه أمام شعبه، ويداري عوراته إذا جاز التعبير.
لكن هذة اللعبة محفوفة بالمخاطر في حال وقع محذور ما اثناء عملية التصعيد. مع ان الدول المتورطة بها ليست معنية بالدخول الآن في حرب، لأن تداعياتها وخيمة على جميع الدول. كما أن سوريا بشكل خاص ليست مهيأة للدخول في حرب مع إسرائيل حاليا، حتى لو أرادت ذلك، وأولوياتها تصفية حسابها مع الجماعات التكفيرية والمتمردة في مناطق مختلفة من الأرض السورية، وهي عمليا تخضع للسيطرة الروسية، وقرارها السياسي والعسكري محكوم بضوابط الحليف الدولي. كما انها لا تريد مجاراة الحليف الإقليمي الإيراني، المؤثر في المشهد السوري وتوجهاته. وفي نفس الوقت، لا ترغب في إغضاب أي من حلفائها، ما يملي عليها السير على خيط رفيع جدا، يفرض عليها التدقيق مليا في أية خطوة تقدم عليها. بعكس إسرائيل الدولة المارقة، والتي تعمل على دفع الإقليم لحافة الهاوية، وتوريط الولايات المتحدة بحرب مع إيران، وإعفائها من دفع ثمن التصعيد لوحدها.
إذا الطرف الوحيد المستفيد من عملية التصعيد التكتيكية، هو دولة إسرائيل المارقة والخارجة على القانون، لأكثر من اعتبار، فأولا تريد ان تؤكد انها صاحبة اليد الطولى في الإقليم، ولديها الضوء الأخضر في ضرب الأهداف، التي تشاء دون تجاوز حدود التوافق مع الدب الروسي؛ ثانيا محاصرة الوجود الإيراني في سوريا، والحؤول دون تمدده تحت أي اعتبار، وهنا يمكن القول، ان هناك توافقا إسرائيليا روسيا في هذا الجانب، ما يجعل روسيا تغض النظر عن أية ضربات للتواجد الإيراني، وفي ذلك رسالة روسية واضحة، لا مجال للتوسع الإيراني في سوريا؛ ثالثا خلط الأوراق في المشهد السياسي والعسكري الأقليمي بهدف التغطية على القضية الفلسطينية عموما، وعملية نقل السفارة الأميركية للقدس العاصمة الفلسطينية الأبدية خصوصا، وأيضا للتغطية على ذكرى النكبة الفلسطينية السبعين؛ رابعا للتأكيد لدول الإقليم والعالم أن القضية الفلسطينية، "ليست" القضية المركزية للعرب والعالم، وأن هناك ملفات ساخنة أكثر "حيوية" منها.
ورغم كل المحاذير المحتملة، يبقى التصعيد العسكري بين سوريا وحلفائها من جهة، وبين إسرائيل الاستعمارية محسوبا حتى اللحظة، ومن غير المسموح تخطي الخطوط الحمراء للأقطاب الدولية.
[email protected]
[email protected]