على هامش الحراك الشعبي السلمي - مسيرات العودة
أنور رجب
لطالما كانت وما زالت مسألة المقاومة الشعبية السلمية مثار جدل داخلي على الساحة الفلسطينية شعبياً وفصائلياً، وان اختلفت مستوى وطبيعة هذا الجدل ومسوغاته بين فترة وأخرى، وقد دفع الحراك الشعبي السلمي أو ما بات يعرف بـ "مسيرات العودة" الجاري حالياً هذه المسألة إلى صدارة المشهد السياسي الفلسطيني من جديد، وفرضت نفسها بقوة على الساحتين التنظيمية والشعبية، حيث لم يعد النقاش والجدل حول خيار المقاومة الشعبية السلمية يتمحور حول المبدأ نفسه وتجاوز ذلك ليصبح محط إجماع وطني وشعبي، بعد أن كان يُنظر له من قبل البعض بنوع من التقزيم والتبهيت بل والتهكم في كثير من الأحيان وبالذات من قبل حركة حماس لا سيما في سياق توظيفها الحزبي للخيار البديل "المقاومة المسلحة"، والتي لحقت متأخرة بركب المؤيدين لخيار المقاومة الشعبية والداعمين له وان كان ذلك في إطار التوظيف الحزبي أيضاً، وبالتالي فإن النقاش والجدل بدأ يتناول قضايا ذات علاقة بمفهوم المقاومة الشعبية السلمية من حيث الآليات والوسائل، والأولوية ضمن الخيارات الأخرى والمفاضلة فيما بينها في خدمة القضية والمشروع الوطني.
الأمر ذو الأهمية في هذا الإطار هو بداية تبلور تيار شعبي (مستقلين، مثقفين، كتاب، فنانين، رجال دين، أصحاب رأي) يؤمن بهذا الخيار ويدعو له، والأهم انه يؤصل له من الناحية المعرفية والوطنية، حيث اقترن هذا التأصيل بالعديد من الركائز الأساسية في مفهوم المقاومة الشعبية السلمية، وفي مقدمتها الإعلاء من شأن وقيمة الإنسان الفلسطيني والمحافظة على حياته باعتباره العنصر الأهم في معادلة الصراع مع الاحتلال، وذلك في مواجهة ما يجري من استخفاف بحياته والتعامل معه مجرد رقم على شاكلة "الاستعداد للتضحية بنصف مليون فلسطيني في غزة" للدفاع عما أسموه زوراً وبهتاناً "مشروع المقاومة"، باختصار معادلة الحياة مقابل الموت. والركيزة الأخرى تكمن في تعزيز مفهوم "الضحية" والقصد هو توجيه رسائل للمجتمع الدولي وشعوب الكرة الأرضية من خلال فعاليات المقاومة السلمية بان شعبنا الفلسطيني ضحية لجبروت وبطش وقمع الاحتلال، ويدفع أثماناً باهظة لمطالبته بحقوقه والحفاظ على مكتسباته التي أقرتها الشرعية الدولية، وهذا نتاج وعي وإدراك لدى هذا التيار بأهمية المعركة الإعلامية والبعد الإنساني للقضية الفلسطينية، لا سيما بعد أن فقدنا الكثير بفعل الصورة الأخرى التي أظهرتنا وكأننا نملك قدرات عسكرية خارقة وقادرة على تحقيق إستراتيجية "توازن الرعب"، وإطلاق التصريحات الاستعراضية على شاكلة "تصدير الصواريخ، وتحرير فلسطين خلال 24 ساعة"، وتوظيف ذلك في خدمة أجندات حزبية بغض النظر عما يمكن أن تسببه من ضرر للمشروع الوطني. أما الركيزة الثالثة فهي التأصيل لفكرة المقاومة الشعبية وطنياً، واعتمادها كخيار استراتيجي في المفاضلة بينها وبين الخيارات الأخرى، والذي يشكل استجابة لقراءة معمقة وموضوعية للظروف المعقدة والمتشابكة التي تمر بها القضية الفلسطينية محلياً وإقليمياً ودولياً، بعيداً عن العنتريات والاستعراضات الجوفاء والخرقاء. والركيزة الرابعة هي أن المقاومة الشعبية لا تحتاج إلى عمليات تمويل من أي جهة ويمكن الاعتماد فيها على الذات، وبالتالي ضمان بقائها بعيدة عن التجاذبات الحزبية وبعيدة عن الارتهان لأجندات خارجية، وهذا واحد من أهم مقومات نجاحها كونها لا تحتاج إلى عمليات تمويل كبيرة تقود إلى حرفها عن مسارها المرسوم لها كما يجري اليوم من قبل حماس.
حاولت حركة حماس كعادتها ركوب الموجة وتصدر المشهد، وحرف المسيرات عن أهدافها وتوظيفها لصالح توجهاتها وسياساتها الحزبية، فبدأت بتغيير العنوان العريض للمسيرات من "مسيرة العودة الكبرى" إلى "مسيرة العودة وكسر الحصار"، وللأسف تماهت بعض الفصائل بقصد أو دون قصد مع هذا التغيير والذي يبدو بظاهره أمراً وطنياً، ولكن لحماس نوايا مختلفة أكدتها التصريحات اللاحقة لعدد من قياداتها حول ربط الحراك السلمي بموضوع الحصار "حسب فهم حماس"، الأمر الذي يُفقد الحراك قيمته السياسية الثمينة المرتبطة بأصل الفكرة وهي قضية اللاجئين، وتقزيم أهدافها من قضية سياسية بامتياز إلى قضية خدماتية لها أبعادها الحزبية، وبالتدريج بدأت قضية اللاجئين تختفي من تصريحات قادة حماس ليحل محلها مصطلحات لها دلالات حمساوية على شاكلة "غزة لن تجوع، رسالة لمحاصري غزة، فشل حصار المقاومة"، وربما هذا ما يفسر رفض التيار الشعبي الذي أشرنا له آنفاً لتصدر الفصائل لهذا الحراك السلمي، ورفضهم اقتران عنوان الحراك السلمي لعودة اللاجئين بقضية الحصار وحصرها فقط في القضية السياسية "اللاجئين" لإدراكهم مسبقاً كيف ستسير الأمور وفعلاً لم تخيَب حماس ظنهم. ولكن ما يبعث على الطمأنينة أن ألاعيب حماس وسعيها لتوظيف كل صغيرة وكبيرة لصالحها وفي مناكفة السلطة والهجوم على الرئيس أبو مازن باتت مكشوفة ولم تعد تنطلي على الغالبية العظمى من أبناء شعبنا الفلسطيني، الذي وقف لهم بالمرصاد يفند مزاعمهم وأكاذيبهم على وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل الإعلام المتاحة، ولم يعد أسلوب حماس في استخدام سلاح الإرهاب الفكري باتهام كل من ينتقدهم بالتساوق مع الاحتلال يجدي في ردع مخالفيهم، لا سيما في مسألة اتهام حماس بتقصدها عدم منع المحتجين من الوصول للأسلاك الشائكة على الحدود بهدف المتاجرة بدماء الشباب الفلسطيني، وتذاكيها في تبرير ذلك باندفاع المحتجين وفقدان السيطرة عليهم !!!.
خلاصة القول هو إن تبلور هذا التيار الشعبي الذي يؤمن بالمقاومة الشعبية السلمية، يؤكد بان هذا الخيار أصبح يحظى بمكان رحب في الوعي الجمعي الفلسطيني، وهو يشكل استجابة والتفافاً حول إستراتيجية الرئيس أبو مازن لا سيما وأن المقاومة الشعبية السلمية ركن رئيسي فيها، ويؤكد أن هذه الإستراتيجية بدأت تتحول إلى ثقافة واعية وناضجة وليست مجرد خيار إجباري دون وعي وإدراك.