سيدة جنايات
بقلم: فاطمة مشعلة

ليست في السجن؛ لكن في منزلها قضبانٌ تجلس بين الأريكة والسرير،تفصل بين حوض الاغتسال وصابون المغسلة، بين رفيّن ملا الحزن المُشاع في قلوب الساكنين وأخشابهما، في الشارع قضبان، في عيون المارقين كذلك، في خطوات النساء اللواتي يئسن قبل سن اليأس بكثير، في جبهة صاحب البقالة ومالك العقار وكرسي سيارة الأُجرة، في عملها قضبان على طاولة مكتبها قضبان، وفي قلبها مواعيد الزيارات!
على قسيمة راتبها يجلس شاويش، وفي عمرها الذي يزداد عقيدٌ حقير يحتسب الزمن بُهتاناً وإثما.
ترتقي رتبة الذين يعتاشون على قهرها،وتصطف النجوم على أكتافهم بأدب وتأنق، أما فهي فتجمع نجوم المساء في مخيلتها؛ لتضيء حكاية للذكرى في نصٍ أجوف،سيتلوى مُعلناً موته بعد حين.
سيدتنا تعبث في جُرحها ولا تُبالي. تريد نزفاً أكثر، أيا تُرى ما الذي يزيد شهيتنا نحو النزف المُتسع.. الاستجداء بالألم!
القضبان بعضها فولاذي والآخر مرن، لا مرونةً من أجل الراحة؛ بل لتستطيع التمدد نحو باحات السجن ومحاضر الشرطة، وغرف التحقيق المفتوحة في هذه الحياة، خذ عندك على سبيل المثال: في لسان جارتها غرفة تحقيق مُرخصة، في كشف دوامها غرفة تحقيق، وفي آخر الليل تُنهنه وحدها في زنازين التعذيب، وتعيش العمر كله مع الناس لكن في زنازين انفرادية.
جريمتها مُركبة مُتشعبة مُعقدة تراكمية، هي السيدة جنايات لا يسجنها أحد ولا يُنفَذ فيها حُكم الإعدام، جنايات تعيش بيننا ما عادت تسألُ أحداً عن جُرمها، بل وأعلنت تضامنها مع الجُناة؛نعم سبحت معهم في ذات الأداة، وغيّرت كل أسمائها الحقيقية، ليناديها الناس بكل لباقةٍ مُفخخة"سيدة جنايات.. سيدة جنايات".
مواضيع ذات صلة
الشعراء ودمار المدن بين الحداثة والخراب
حسين البرغوثي في الضفة الثالثة للمدن الخائفة.. الابن يترجم اباه بعد اكثر من ربع قرن على رحيله
المقاطعة الفنية تعزّز حراكها في أوروبا ضد مُموّلي الاحتلال
فوتوغرافيا رندا شعث .. يوميات فلسطينية بصيغة محمود درويش
مقهى الشعراء
سفارتنا بمصر تكرم أبطال العرض المسرحي "على باب النكبة 48"
"صنع في العراق".. سيرة لأربعة أجيال من النساء