عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 02 نيسان 2018

الحكواتي يعيد الزمن الجميل

مسرحية من قتل اسمهان!

ميس عاصي

  بقعة صفراء تضيء الخشبة وتخبيء خلف ستائرها قصة فنانة رحلت منذ زمن عنا، يدخل الجمهور وهو متحمس متشوق لما سيراه، يعم الهدوء وقلوب طاقم المسرحية تدق في انتظار بدء العرض.

تشع الخشبة ومعها تشع اذان الجمهور ينصت الجميع الى سحر البداية، حركة صوت وفجاءة نشعر اننا في مصر ام الدنيا، بلد العمالقة والطرب الاصيل، ليخرج من بين كل هذه الحياة السؤال الذي لا يوجد له جواب  من قتل اسمهان ! وينتفض معه الغبار ويغوص في الافكار ويعيد الذاكرة إلى ذاك الزمن الجميل، حيث الماضي الذي مازال حاضراً يقبع على رف من الرفوف المليئة بتلك الاسامي، اسمهان، ام كلثوم، نجاة الصغيرة، فايزة احمد ....الخ .

من يقرأ العنوان الأول في الصحف، من يلقي نظرة من جديد الى ذاك الماضي العتيق، تجري احداث المسرحية بسلاسة وخفة، ولكن في كل مشهد يخلق في داخل المشاهد، شعور بالحب والشوق الى ذاك الماضي، ليس الكثير منهم يعلم من هي اسمهان، والبعض الاخر لا يدري ما قصتها، ليقرر المخرج  "أميرنزار الزعبي" صفع ذاكرة الجسد من جديد، بالصوت والموسيقى والالحان، هنا والان كانت "مسرحية من قتل اسمهان!"  على خشبة المسرح الوطني الفلسطيني"الحكواتي"، تسرد الاحداث كما جرت، تحاول أن تكشف وتحكي لنا قصة فنانة رحلت عنا لكنها تركت ارثا عظيم" ليالي الانس في فينا نسيمها من هوا الجنة نغم في الجو ليه رنة سمعها القلب ندى وغنى" من لا يعرف هذه السطور يجهل الكثير ولكنه يستطيع العبور من خلال الباب الذي وضعه مخرج المسرحية بين الجمهور والمنصة، باب الذاكرة .

 بطريقة كوميدية ساخرة في بعض الاحيان اختار المخرج الزعبي أن يسرد الاحداث، كمن يفهم سخرية القدر، كل شيء يضحكنا، نجد له غصة تبكينا، تلك الشابة الجميلة امال الاطرش "اسمهان" كانت لها تلك الحياة القصيرة، لم تعش كثيراً، مع ذلك خلقت بعدها مدرسة مليئة بالالحان، وتركت صوت يفتنُ الاذان ، ويغزو القلوب، في 15 ايلول 1944 فارقتها الحياة، حادث حصل له وهي في سيارة الاجرة مع صديقتها، لم يمت السائق واختفى تحت ظروف غامضة، ويذكر ان اسمهان كانت قد مرت عن هذا الطريق من قبل وقالت للصحافي محمد التابعي رئيس تحرير "مجلة آخر ساعة" والذي كان يرافقها "كلما سمعت مثل هذه الدقات تخيلت أنها دفوف جنازة".

وهنا تبدأ الاحداث في المسرحية، بالمرور على  أصابع الاتهام الموجهة نحو كل من: المخابرات البريطانية وإلى زوجها الأول حسن الأطرش وإلى زوجها الثالث أحمد سالم وإلى أم كلثوم وشقيقها فريد الأطرش .

 بسحر المسرح شهدنا قصة التاريخ التي دفنت دون ان نعلم من قتلها، حكاية عصفورة الالحان زهرة البستان اسمهان التي قامت باداء دورها الممثلة " منى حوا"،  ورافقنا في احداث المسرحية المحقق يسري الذي قام باداء دوره الممثل "عزت النتشة، حيث ياخذنا معه من اللحظة الاولى يرافقنا في الاحداث ويضيء مفاتيح في قلوبنا كانت قد اقفلت منذ زمن، يعود بنا الى ذاك الزمن الجميل، يحكي لنا قصة موضوعة في صندوق الكنز القديم، الذي غطاه الغبار منذ زمن، ليرافقه الممثلين الشباب " محمد باشا، ايفان ازازيان، فراس فراح، نضال الجعبة، وهنا يطغى سحر الحركة وتصميم الرقصات الجميلة التي قامت بتصميمهم "سمر كينج" ، ويكتمل معها الديكور والاضاءة الخاصة بالعمل، والتي نفذها "عماد سمارة" و "رمزي الشيخ قاسم " ، لا بد أيضاً أن نتوقف أمام جمال الأزياء التي صاحبت العرض، سواء لأسمهان التي ألبسها "حمادة عطالله" أو لباقي الممثلين والاوان الساحرة التي تسرق الانظار معها طوال العرض .

يقول المخرج أمير نزار الزعبي" ليست قصة اسمهان الوحيدة التي تقف على خشبة المسرح، بل قصة الزمن الجميل، الذي ضاع في زمننا الحاضر، لذلك اخترت ان اعود بسحر الزمن الماضي والتاريخ الجميل الذي يمكننا دائما أن نعود اليه لنطهر روحنا مما نواكبه في الزمن الحاضر" .

كانت فكرة المخرج نزار الزعبي، واضحة كيف انه جعل الجمهور يعود معه الى ذاك الزمن الجميل، حيث العندليب وفريد الاطرش، والحان عبد الوهاب، ليذكرنا من جديد اننا كتبنا في ماضينا مدارس من الموسيقى، يجب دائما أن نعود اليها ونستذكرها، رائحة الماضي كانت تنعش المسرح والجمهور من جديد، كان يجلس الجمهور على المقاعد، وفي كل اغنية تخرج من صوت الممثلة "منى حوا" التي ادات دور اسمهان، تسمع الاه تخرج من صدور المشاهدين، والهمهمة بصوت منخفض، وكانها حفلة خاصة للفنانة الراحلة  اسمهان، كانت قوة الذاكرة  تعطي الجمهور حنين الى الماضي، فترى الاجسام تتمايل مع الالحان، ولا ترغب بان تنتهي، ساعة واربعون دقيقة لم ترمش عيون الجمهور، لينتهي العرض ويبدأ في داخل الجمهور البحث، من هي اسمهان، هل عاشت حقاً هذه الحياة القاسية، لم تكن النهاية هي الاهم، لم يكن هناك الجواب الواضح فبقيت علامة الاستفهام كما كتبوها من قبلنا في التاريخ، ولكن الاهم هو كيف ان الجيل الجديد بدأ يتحدث عن اسمهان، ويتعرف الى اغانيها والحانها الجميلة، قصتها القصيرة فتحت صندوق الماضي واخرجت منه روح اسمهان ، ولكن لم تكن هذه نهاية المسرحية بالنسبة للمخرج الزعبي  فالفكرة الاقوى هي البحث الشخصي لدى المشاهد بعد حضور العرض عن حياة وماضي ليس فقط اسمهان بل كل الزمن الماضي، قبل الحدث الاخير يكتشف يسري في المشهد قبل الاخير، أن عناوين الصحف لم تعد تذكر قصة اسمهان، الناس تحب كل ما هو جديد، وهاهي تعود هذه العناوين التي كانت في الجريدة سنة 1944 ولان تعود لتسطع من جديد" من قتل اسمهان! " من وضع الغبار على صندوق الالحان الاصيلة، والسؤال الاهم هل ينتهي الفنان بعد موته بسنين، هل ندفن تاريخه والاحانه والارث العظيم الذي تركه لنا، هنا علامة الاستفهام الاقوى من اسمهان، فقد نالت اسمهان فرصة صغيرة في ان نعرض تفاصيل التحقيق في موتها، وكان المخرج بلغ رسالته للجمهور في الوقت الحالي، وبطريقة سرية واتفاق غير موقع، استدرجهم الى وكر الالحان والزمن الجميل، ليعود كل مشاهد الى بيته ويغني " ياحبيبي تعال الحقني شوف الي جرالي من بعدك " .

*مسرحية من قتل اسمهان! اخراج المخرج "أمير نزار الزعبي"، تمثيل : " منى حوا"، عزت النتشة،ايفان ازازيان، فراس فراح، محمد باشا، نضال الجعبة . انتاج المسرح الوطني الفلسطيني "الحكواتي"