عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 31 آب 2015

دكتاتورية البناء

حافظ البرغوثي

تتربع بنايات ضخمة في وسط بوخارست بنيت بأحجار ضخمة وأعمدة باسقة ذات هندسة خارجية تنم عن نمط معماري يوحي بالهيبة التي أرادها الدكتاتور تشاوتشيسكو. فبعد زلزال قوي ضرب رومانيا في السبعينيات أعاد تشاوتشيسكو بناء المباني القديمة التي دمرت وأطلق لمهندسيه العنان في البناء فهو وان كان رجلا متواضعا متقشفا في حياته الا انه أراد رومانيا عملاقة رغم بقائه على المذهب الستاليني فيما العالم الشيوعي من حوله يتغير.. ظل الرجل صامدا لا يتغير فهو يريد أن يترك بصماته على الأرض مثل بعض الملوك الذين حكموا رومانيا وأقاموا مباني ضخمة مثل مبنى المستشفى القديم الذي أقامه أحد الملوك قبل حوالي 200 سنة وظل شاهدا على عظمته حتى الآن. وكغيرها من عواصم أوروبا الشرقية حولت رومانيا وسطها القديم الغني بالقديم من المباني والأحدث الذي بناه تشاوتشيسكو الى مزار سياحي يضج بالمقاهي والمطاعم.

على غرار ما حدث في بودابست وبراغ وغيرها.

ويبدو الوضع الاقتصادي حاليا في ركود شامل بعد حمى بيع الأراضي والعقارات التي اجتاحتها بعد سقوط الشيوعية والتي أوجدت سيولة في يد الناس لكن السيولة تبخرت على الاستهلاك ولم تعد رومانيا تنتج الكثير بسبب الكسل فبعد أن كانت تطعم الشرق والغرب صارت تستورد الأغذية رغم اشتهارها تاريخيا بالزراعة.

ويتهم البعض الرئيس السابق باسيسكو بأنه سلم مفاصل الاقتصاد والسلطة لشيوعيين سابقين تحولوا الى أصحاب مليارات لكن الانقسام السياسي ما زال ملموسا حيث يحكمها رئيس ألماني الأصل غربي الهوى ورئيس وزراء اشتراكي من حزب آخر شرقي الهوى. ولهذا فالوضع لا يتقدم ولا يتأخر وفقدت العقارات أسعارها بنسبة أربعمائة بالمئة..

وعم الكساد والفساد.

الدكتاتور تشاوتشيسكو رغم كل المآخذ عليه ترك بلاده بلا أي دين خارجي وأقام مصانع ومزارع ووفر البنى التحتية وضرورات الحياة لكل مواطن لكنه قسى في الحكم وصار يوزع الغذاء بالحصص لتصدير المنتوجات الزراعية وتسديد الديون.. وفي أواخر عهده بنى قصرا منيفا هو ثاني أكبر قصر حكم في العالم بعد مبنى البنتاغون ولم يدخله وهو متعة للناظرين لضخامته وموقعه المطل على ما حوله.

وعندما قابلته في صيف 1986 كان الرجل مبتسما كعادته وقال "المستقبل لنا" وفسر احد مرافقينا قوله يعني اننا وفرنا الاساسيات وسننتقل الى الكماليات. سقط الرجل واعدم وبحوزته ساندويتش خيار.. لم يكن يملك شيئا باسمه أما ابنه الأكبر فقد مرض ولم يجد من يعالجه ومات. فيما أن بعض دول شرق أوروبا مترددة في الانضمام الى منطقة اليورو حتى لا تنكشف أرصدة الأثرياء الجدد ممن نهبوا تلك البلاد بعد الشيوعية.

فالأعمال العظيمة على الأرض أقامها حكام دكتاتوريون لم يكتنزوا مالا لهم بل ماتوا أو قتلوا فقراء.

فدكتاتورية البناء أفضل من ديمقراطية الهدم.