عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 آب 2015

المخيم.. الرمز

حنان باكير

مخيم عين الحلوة.. لا أعرف سبب هذه التسمية. لكني اعرف انه لم يعد للحلوة تلك العين التي تستحق تسمية مخيم كرمى لها. مخيمات لبنان، تفصيل في تراجيديا فلسطينية طويلة، وهي الجزء النهائي لمحاولة تصفية القضية.

 ذات مرة، حين أراد المغتصب إقسار الفلسطيني على الافتراق عن أرضه، كان لا بد له من ضرب تجذره في الارض، عبر المحارق والمجازر، كمرحلة أولى. ويكون بؤس حياة المخيمات، وتحويل قضية شعب مطرود من وطنه، من قضية سياسية الى قضية انسانية، تتلخص بشوال طحين وقليل من الأرز والسكر.. ثم يموت الكبار والصغار ينسون. فتكتمل دائرة النفي.

لكن المخيم الذي كان عبارة عن خيمة، بائسة، ومع كل الاجراءات القمعية، تحول الى قلعة أخرجت العلماء والمثقفين، الذين فرضوا عبقريتهم، بأن حصلوا على منح ارقى الجامعات، وتبنت أميركا العديد منهم. كان الطلبة يتجمعون، للدراسة على اضواء طريق مطار بيروت، فنسي الفلسطيني اسمه ولقبه.. وصار ابو الدكتور وام المهندس.. فالعلم مفخرة الفلسطيني الذي عمل بنصيحة ابيه: لم يعد لنا لا تينة ولا زيتونة، نورثها لك.. ما إلك الا الشهادة سلاحك!

مع بروز حركة التحرير الوطني الفلسطيني، غيّر المخيم اسمه الى معسكر، وصار قبلة الوطنيين من اللبنانيين واحرار العالم. وصار الفضاء اللبناني مسرحا للطيران المعادي، يقتل ويدمر، مستهدفا تجذر الزيتون في نفوس اصحابه. وصار الاسم الأحب للفلسطيني ابو الفدائي وام الشهيد.

انمحت مخيمات بأكملها، كان اولها مخيم النبطية. وتوالى مسلسل التدمير، والحصار والتجويع والتضييق. ما أرغم الفلسطيني على اللجوء الى المقلب الثاني من الارض. وبعد كل جولة عنف، تفتح ابواب قبول اللاجئين. في التحقيق الصحفي، الذي اجريته في الدنمارك، قبل خمسة عشر عاما، اعترف لي العديد من اللبنانيين، بأنهم حصلوا على اللجوء، بهويات فلسطينية مزورة!

"الاونروا" التي كانت الوجه الآخر للمخيم، بدأت بتقليص خدماتها، المعيشية والتعليمية. فقد عرفتُ "الاونروا" تلميذة ومدرّسة.. وما يحبطني ويؤلمني، تذكر كل المدرسين والمدرسات الذين عرفتهم في المرحلتين، وبين ما شهدته لاحقا، وعلى جميع الصعد! ابتداء من الأناقة والترتيب، الى طريقة التعليم والارشاد، الى التهذيب في السلوكيات. إن خطر اغلاق بعض المدارس، ما هو الا جزء من عملية تدمير الانسان الفلسطيني، عبر تجهيله وحرمانه من فرص التعليم.

تعقيدات الوضع اللبناني، انعكس تضييقا على الفلسطينيين. سيما حرمانهم من العمل. قلنا: ان الجوع كافر. وان البطالة ام الرذائل. وان الفلسطيني هو جزء من الدورة الاقتصادية في لبنان. فلا تجوّعوا الناس، لاسيما بعد ظهور بعض الحركات الدينية المشبوهة والتي تستغل عوز الناس من كل الجنسيات. فقد تحولت بعض المخيمات، الى تجمع للفقراء والمعثرين من جنسيات مختلفة".

 حركات تتسلل، تنصب الكمائن للجيش اللبناني، وتحتمي بالمخيم، وتجني عليه بالتدمير والتشريد، كما حصل في نهر البارد، وعند انسحاب الاصوليين بسلام، لم يكن بينهم اي فلسطيني. ومخيم عين الحلوة الذي يضم اكبر تجمع للفلسطينيين، كثر الحديث عن استهدافه منذ سنوات، فماذا يخبئ له القدر؟.

ما اصدق شعور البسطاء، بعضهم رفض العيش خارج المخيم، رغم توفر الامكانية لذلك، ودافعهم: جئنا من فلسطين الى المخيم، وسنرجع من المخيم الى فلسطين، فقد ادركوا بالفطرة ان وجود المخيم، وجود لحق العودة. وطوبى لروح القائد الشهيد علي ابو طوق الذي قال لي ذات مرة: غريب اننا حملنا السلاح لنلغي المخيم، بإنجاز حق العودة، والان نحمل السلاح لنحافظ على صمود المخيم للحفاظ على حق العودة!!.