الآخر والخسارة واردوغان
ابراهيم ربايعة
واخيرا يحقق اردوغان ما أراد، انتخابات مبكرة بقرار مباشر منه بعد انقضاء المدة القانونية لمشاورات تشكيل حكومة ائتلاف، حكومة لم يرغب بها حزب العدالة والتنمية الطامح لاستعادة الاغلبية المطلقة بالبرلمان لتمكين اردوغان من البقاء بموقعه كحاكم مطلق للبلاد، وعليه ستسير الدولة الكبيرة لأول انتخابات مبكرة يحكمها الفشل بتشكيل ائتلاف بتاريخها.
وبدلا من ان يكلف اردوغان حزب الشعب الجمهوري الذي حل ثانيا بالانتخابات بتشكيل الحكومة، قفز مباشرة لانتخابات مبكرة في محاولة لاستثمار المناخ العام الذي يعتقد انه الأفضل لاستعادة ما خسر، فالحرب التي اعلنها على تنظيم داعش والأكراد وأودت بما يزيد عن 50 عسكريا تركيا بمقابل اكثر من 770 عضوا في حزب العمال الكردستاني، تعد فرصة مناسبة لاحياء النزعة القومية التركية بمواجهة التقدم الكردي السياسي الذي أدى لتخطي عتبة 10% في الانتخابات الأخيرة على حساب العدالة والتنمية.
استطاع العدالة والتنمية احداث تغيير ملموس على مستوى المنظومة التشريعية لصالح تثبيت الحكم للحزب صاحب التوجهات الإسلامية وزعيمه أردوغان منذ الوصول للحكم عام 2002، بل ان الحزب يرى نفسه الضمانة الوحيدة لوحدة تركيا ومن دونه ستتحول البلاد الى عراق او سوريا جديدة.
عقلية الحزب الواحد، وذهنية الاستحواذ والقدرة المنفردة على ايجاد الحلول دون ادماج الآخرين كانت حاضرة في سلوك وممارسات اردوغان وحزبه خلال السنوات الـ13 الأخيرة، فتم تحييد الجيش وقدراته من خلال عملية احلال منظمة على مستوى قادة الصف الأول، وتم تحييد قدرات القضاء واستثماره في أكثر من مناسبة، كما جاءت عمليات قمع الشارع المحتج بشكل متوالٍ خلال السنوات الأخيرة، من احتجاجات ميدان تقسيم الى التظاهرات الكردية المنددة بالهجوم على حزب العمال الكردستاني.
لم يبق لمشروع اردوغان الا القليل للوصول لتحويل النظام في تركيا من برلماني الى رئاسي، وهذا ما يجعله يحارب على كل الجبهات من اجل استعادة الاغلبية البرلمانية خاصة بعد ان جرب حزبه خطر الخروج من العمل السياسي بداعي البعد عن العلمانية قبل سبع سنوات.
ستشكل الانتخابات القادمة ضربة لحزب الشعوب الكردي الذي سيخسر على الأرجح ما حصده في الانتخابات الأخيرة لصالح العدالة والتنمية، فرئيس الحزب صلاح ديمرتاش يواجه عاصفة في الأوساط الكردية نتيجة مواقفه التي وصفت بالرخوة تجاه هجوم الجيش التركي على الأكراد، في الوقت الذي يبذل فيه أردوغان جهوده لرفع الحصانة عن مسؤولين أكراد من أجل الوصول لحظر الحزب وحله.
اما حزب الشعب الجمهوري، أكبر الاحزاب المعارضة رفض الدخول بتحالف مع العدالة والتنمية، من اجل الوصول وفق الدستور لتشكيل ائتلاف مع الاحزاب المعارضة الأخرى، وهذا ما كان واضحا من خلال رفض الحزب لاجراء انتخابات مبكرة، فقد اتهم الحزب اردوغان مرارا باغتصاب السلطة وتجاوز المنظومة القانونية، لكنه سيكون من الخاسرين في ظل اجواء الحرب وتراجع اقتضام حزب الشعوب لحصة العدالة والتنمية من البرلمان، وبالتالي عودة الأخير لتشكيل اغلبية برلمانية مطلقة، الحركة القومية التركية أيضا تشاطر حزب الشعب العديد من المواقف المعارضة لأردوغان خاصة فيما يتصل بمصر وسوريا، وهذا ما جعلها ترفض دعم العدالة والتنمية بتشكيل حكومة وصفتها بحكومة الأقلية، لكن أردوغان هذه المرة أيضا، لم يسمح بتحالف أعدائه وذهب للخيار الأفضل له.
تركيا تسير بمنظومة استطاع اردوغان تثبيت اركانها لصالحه ولصالح حزبه، تعلم من حكاية معلمه نجم الدين اربكان ولم يترك مجالا لتكرار أخطائه، لكن تحالف القوى المناهضة لسياساته يتسع يوما بعد يوم، في ظل امتداد الأزمة السورية التي تنعكس بشكل مباشر على تركيا من خلال ملفات اللاجئين وداعش، وعودة الاحتقان الكردي ايضا ملف خطر ليس من السهل حسمه او التعامل معه، لكن وان استطاع اردوغان حسم هذه الجولة من الانتخابات واستثمار نتائجها لتمرير التعديلات الدستورية التي يرغب بها، هل سيتمكن من اطالة امد نفوذه في السلطنة العثمانية الجديدة التي يرغب باعادة احيائها في ظل تصاعد قوة معارضيه وتقاربهم الهادئ من بعضهم البعض؟
مواضيع ذات صلة
الموازنة الإسرائيلية للعام 2026... موازنة حرب وأبارتهايد بامتياز
"نزع السلاح".. بين المناورات والذرائع!
المجالس المجتمعية.. حين تتحول الفكرة إلى نهج وطني فاعل
تعديل قانون انتخاب الهيئات المحلية.. إعادة ضبط البوصلة الوطنية أم تحصين متأخر؟
مستوطنات لتفريخ الارهاب!
نظام دولي قديم يتفكك وآخر جديد آخذ بالتبلور
الهند والجنوب العالمي