عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 تشرين الثاني 2017

مخاطر دولة داخل الدولة

باسم برهوم

بعيدا عن الابعاد المتعددة لاستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، فإنها مع ذلك تعني شيئا واحدا اساسيا، وهو عدم قدرة الحريري على الاستمرار بمهمته في ظل معادلة دولة داخل الدولة، والمقصود هنا دولة حزب الله، داخل الدولة اللبنانية المعروفة والمتعارف عليها منذ الاستقلال في أربعينيات القرن العشرين.

هذا الحدث اللبناني الكبير بالمعنى المذكور سابقا، يعيد الى الأذهان والى دائرة النقاش، تحذيرات الرئيس محمود عباس ورفضه  لمبدأ وجود "دولة حماس" أو غيرها داخل السلطة الوطنية، وداخل مشروع الدولة، الذي يكافح الشعب الفلسطيني من اجل اقامتها. القبول والرضوخ لهذا المبدأ أو لنموذج "دولة حزب الله في الدولة اللبنانية" بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين هو وصفة ليس فقط لنسف السلطة الوطنية،  وانما هي وصفة لتقويض المشروع الوطني الفلسطيني برمته، هو وصفة أيضا لتصفية القضية الفلسطينية .

من المعروف أن مفهوم الدولة يعني ببساطة السيادة الكاملة على الاقليم والسكان، وان أي تفريط بهذا المبدأ وهذا المفهوم كليا أو جزئيا، سيعني حتما تصفية وجود الدولة، مهما كانت المبررات وراء ذلك، والمنطق السياسي يقول ذلك بمعنى انه من غير المقبول ان تتنازل السلطة الوطنية، عن ولايتها وسيادتها على كل اقليم وسكان الدولة الفلسطينية، وان يحكمها سلاح واحد وقانون واحد، ونظام سياسي واحد.

وفي مراجعة لتجربة السنوات العشر الماضية، منذ انقلاب حماس في قطاع غزة في صيف عام 2007 والذي سيطرت من خلاله حماس على القطاع وسكانه وأقامت هناك نظاما سياسيا وأمنيا خاصا بها "دويلة" . .  ما الذي جرى؟

حدث انقسام فلسطيني سياسي وجغرافي وسكاني، والانقسام بدوره جلب محله تشكيكا بالشعب الفلسطيني وقدرته على اقامة دولته المستقلة،  الامر الذي اضعف المكانة الاستراتيجية للنضال الوطني الفلسطيني على الساحة العربية والدولية.

وفي سياق الرد على المبرر الذي قدمته حماس لفرض سيطرتها على القطاع بأنها هي صاحبة مشروع مقاومة، هذا الادعاء ومحاولة احتكار المقاومة لطرف بعينه يعني وكأن الشعب الفلسطيني وبكل مكوناته ليس شعبا يقاوم الاحتلال وانه ليس له هدف واحد هو دحر هذا الاحتلال والخلاص منه، واقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي محاولة لتعميق ما ذكر نلاحظ ان الرئيس محمود عباس، بشرعيته النضالية والدستورية، يقود مقاومة ذكية ومؤثرة ومنتجة وبتكلفة أقل من تلك التي تدعيها حماس.

ان جوهر مقاومة الرئيس هذه تكمن في عزل الاحتلال الاسرائيلي على الساحة الدولية من جهة، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني على الأرض من جهة أخرى،  فهذا الصمود وبقاء الشعب الفلسطيني على أرضه هو العامل الذي سيحسم نتيجة الصراع لمصلحتنا في المستقبل.

إن محاولة حماس احتكار المقاومة لنفسها إنما هي محاولة لتبرير وجودها كدولة داخل السلطة الوطنية الفلسطينية وليس بهدف مقاومة اسرائيل، لأننا جميعا نقاوم الاحتلال.

إن جواب الرئيس على كل ذلك، هو من خلال ربطه بين مسألة الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية، وبين ضرورة إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وحتى للمجلس الوطني. هذا الربط يعني باختصار ان تسلم الاطراف كافة بمبدأ التداول السلمي للسلطة، والاحتكام للشعب عبر صناديق الاقتراع، وليس من خلال فرض دولة داخل دولة بالقوة وخارج القانون والشرعية.

لم يعد مسموحا بعد اليوم تقسيم الشعب الفلسطيني بين مقاوم وغير مقاوم، بين ضفة وقطاع، كما انه ليس مسموحا وجود سلطتين وسلاحين وقانونين ومشروعين، لأن احد اهم ركائز صمودنا وقدرتنا على تحقيق اهدافنا هي وحدتنا الوطنية.

ما الذي نعنيه بالوحدة الوطنية؟

اولا: أن نكون جميعنا في اطار منظمة التحرير الفلسطينية وتحت مظلتها باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وان مسألة اصلاحها تأتي لاحقا وليس شرطا مسبقا لدخولها.

ثانيا: أن يكون للشعب الفلسطيني سلطة واحدة ومرجعية سياسية واحدة هي صاحبة السيادة على الارض والسكان.

ثالثا: ان يؤمن الجميع بالتعددية في اطار نظام سياسي ديمقراطي أساسه الارادة الشعبية، وفي اطار منظمة التحرير باعتبارها جبهة وطنية جامعة ومرجعية الشعب الفلسطيني السياسية.

رابعا: ان يكون لدينا استراتيجية وطنية متفق عليها في الاطار العام، خصوصا ان الاطراف لم تعد متباعدة سياسيا الى الدرجة التي لا يمكنهم خلالها الاتفاق على مثل هكذا استراتيجية.

في خضم هذا كله هناك بقعة ضوء تبدو اليوم في نهاية نفق الانقسام المظلم، وفي نهاية واقع يوجد فيه دولتين ونظامين سياسيين للشعب الفلسطيني.

هناك خطوات بدأت على الارض علينا ان نكملها، ولكن ان نكملها بالشكل الصحيح في اطار رفض وجود دولة داخل دولة ... هكذا علمتنا التجربة اللبنانية.