تغريدة الصباح - مئوية الوعد ومئوية العهد
حنان باكير
حكاية رمزية من حكايا الفلسطيني في الذكرى المئوية لوعد بلفور، والذكرى المئوية للصمود الفلسطيني، في مواجهة محاولات الإلغاء، والنفي من التاريخ، بعد عملية النفي من الجغرافية.. جوليات الفلسطيني، وداوود في مواجهة تاريخية أخرى. المغتصب، يعمد مئويته، بالدم والقرابين البشرية. وبالغاز السام، أودى بحياة، أحمد الفلسطيني.. وبعد ساعتين، قام أحمد من بين الأموات، حقا قام، فقد ولدت له زوجته وبعد ساعتين أحمد جديدا! وفي المشفى ذاته، يرقد أحمد الأب الراحل، وأحمد الابن الوليد، ما أقرب اللحد من المهد، أقرب من سواد العين عن بياضها.. تسلم الابن الأمانة، وأتقن نشيد البقاء، منذ إطلالته الأولى.. وبعينين متفتحتين عاد أحمد مبتسما من سخرية قدره الفلسطيني، وفي إصرار على مواصلة الحياة، فوق تراب أرضه الطيبة.
حكاية " الأحمدين"، هي السرد الأبلغ من كل كتاباتنا في الذكرى المئوية، لوعد بريطاني، يتماهى مع وعد الهي!!!! وبعد مئة عام، تحتفل بريطانيا العظمى، ابتهاجا بأكبر سرقة في التاريخ، وإمعانا في سياسة نفاق مهينة عز نظيرها.
قبل مئة عام، بدأ المشروع الكولونيالي صهيونيا، لا علاقة للدين اليهودي به. ولم تكن معاداة السامية، قد برزت في أوروبا، والتي أخذت شكلها الحاد في منتصف أربعينيات القرن الماضي. ما يعزز فكرة، أن سلب الأرض، وتقديمها وطنا قوميا لليهود، لم يكن مرتبطا بالهولوكست، وعقدة الذنب عند الأوروبيين، فقد بات واضحا ومعلوما تواطؤ، بعض قيادات الحركة الصهيونية، مع الغستابو الألماني.. فالمشروع الاستعماري، أسبق من الهولوكست الذي اتخذ ذريعة غير منطقية، لسلب أرض فلسطين، واتخاذها وطنا قوميا يهوديا. وقد عبر عنها بن غوريون في حوار له مع ناحوم غولدمان، والذي أورده الأخير في مذكراته. وهذا نص الحوار:
"بن غوريون: شخصيا أنا سوف أدفن في هذه الأرض، لكني لست متأكدا من أن ابني عاموس سوف يدفن هنا.
غولدمان: كيف تقول هذا؟
بن غوريون: أتساءل كل الوقت: ما هو الأساس في وجودنا هنا؟ حقنا يستند الى التوراة، أليس كذلك؟ الوعد بإعطائنا هذه الأرض هو من الله. وهذا الوعد لا يلزم العرب. الهولوكست هي شيء آخر، في إعطائنا وطنا. والعرب يرون أن الهولوكست كانت شيئا مرعبا. وبما أن الألمان مسؤولون عن الهولوكست، فلماذا لم يعطونا مقاطعة الراين لتكون لنا وطنا؟؟
أنهى غولدمان الحوار بقوله: ليس لدي ما أقوله، غير الأمل بأن لا يكون القادة العرب يفكرون مثلك".
من السذاجة الاعتقاد السائد بيننا، بأن أوروبا تعيش عقدة ذنب الهولوكست، بخلقها ودعمها لإقامة وطن قومي يهودي، على أنقاض شعب آخر، وتتلو فعل الندامة وتقدم المليارات ككفارة للفعلة الشنيعة.. وإلا.. لماذا لم يصح الضمير الغربي لهولوكست فلسطيني مستمر من مئة عام! بل نراهم يبتهجون ويحتفلون، بمخطط جهنمي لإبادة شعب بريء!
خلال المئة عام، أنجزت الحركة الصهيونية، كيانا دوليا قويا، يجلس على ترسانة نووية، وأسلحة دمار شامل فتاك. ويضع نفسه فوق كل القوانين الدولية، ويبتز أقوى الدول، ويركع العديد من الأنظمة.. يقهر الجيوش، يعتقل، يقتل ويدمر.. نقر له بكل هذه المؤهلات.. لكنه يفتقد العنصر الأهم في وجوده: الأمان! لم يستطع بناء مجتمع آمن ينام فيه الفرد، بدون خوف، ليس بالضرورة أن يكون الأمان جسديا، لكنه الأمان النفسي والمعنوي أيضا، فحين تعيش بشعور السارق، ومحاصر بعيون المسروقين.. فهذا يكفي!
وخلال المئة عام، خسر بعض الفلسطينيين أرضه، وتاه في مناف متناثرة بعيدة. وبعضهم يعيش تحت احتلال ظالم.. لا داعي لسرد تفاصيل حياة يومية نعيشها بشكل حي عبر وسائل الإعلام. شعب أعزل من السلاح، لكنه مدجج بإيمان لا يقهر في حقه بأرض أجداده.. وبعد مئة عام ما زال الفلسطيني يحتفظ بمفتاح بيته، وما زالت نظرات أطفاله.. وصراخ عجوز، تدب الرعب في قلوب آلة القتل الفتاكة!