الملكة بوديكا تلعن أحفادها بلفور وماي
فيصل زكارنة
عندما تنظر الى ذلك التمثال أمام مقر البرلمان البريطاني وقبالة برج ساعة "بج بن" الشهير في العاصمة البريطاانية لندن، فانك لا تفهم كغريب عن تلك البلاد أن ذلك التمثال والذي يجسد امرأة تحمل رمحا وتقود عربة قديمة هو رمز الكرامة والمجد لدى مختلف ابناء الشعب البريطاني، فهو تمثال الملكة بوديكا أو المحاربة بويدكا التي تحدت عظمة وغطرسة روما قبل ألفي عام.
في عام 43 بعد الميلاد احتلت الوية الجيش الروماني الجزر البريطانية بأمر من امبراطور روما كلوديوس وطمعا منه بكنوز وخيرات تلك الجزر والتي عصت على الرومان منذ عهد يوليوس قيصر. وكعادة الرومان عندما تحتل الشعوب الأخرى كان منطق القوة والبطش هو السائد في ممارسة جحافل روما على تلك الشعوب المغلوبة على أمرها، وهذا ما جرى في وقتها بحق قبائل السلتيين البريطانية سكان الجزر الأصليين، وبدأت تلك الجحافل الرومانية منذ ان وطأت قدماها السواحل البريطانية بممارسة أبشع اشكال التعذيب والنهب والقتل بحق السلتين والذين تجمعوا ضمن ممالك قبلية متفرقة على طول وعرض الجزر البريطانية، كما مارس الرومان سياسة طمس المعالم الثقافية والدينية للسلتيين وكان أبرز حدث يمثل هذه السياسة العنصرية هو اقامة معبد كلوديوس الالهي والذي عبد فيه الهة الرومان ومورست به طقوسهم الدينية والتي تختلف تماما عن الهة السلتيين وطقوسهم الدينية وكانت نظرة الرومان للبريطانيين في ذلك الوقت بأنها مجموعات همجية بربرية لا تستحق الحياة.
استمرت روما بممارسة اجراءاتها القمعية وصولا للعام 60 بعد الميلاد، ففي هذا العام توفي براسوتاغوس ملك مملكة اسيني السلتية والتي تقع شرق انجلترا حاليا، فبعد ان دان براسوتاغوس بالولاء لامبراطور روما مجنبا شعبه ويلات القمع الروماني ومقدما الهبات والضرائب وكل ما يمكن تقديمه لتلك الغاية، اوصى قبل وفاته بنصف مملكته لروما على ان تحتفظ قبيلته بالنصف الآخر محاولا ان يضمن لها الأمان والاستقرار الا ان ذلك لم يرضِ جشع الرومان فقاموا بعد وفاته مباشرة بالسيطرة على مملكة اسيني وقام الجنود الرومان باخراج الملكة بوديكا زوجة الملك براسوتاغوس وابنتيه من قصرهم ليجلدوا الملكة بوديكا ويغتصبوا بناتها أمام أعينها وأعين شعبها كما نكلوا بالعديد من ابناء اسيني ونهبوا كل ما يمكن نهبه منها.
شكل ذلك الحدث الاجرامي تحولا كبيرا في مسيرة وشخصية الملكة بوديكا، وهي تلك المرأة التي تمتعت بشخصية قيادية وفريدة تملؤها الانفة والكبرياء، فقد تعاطفت القبائل السلتية معها، وبعد ذلك الحادث الأليم عملت بكل جد ومثابرة لتوحيد القبائل تحت رايتها مدعومة برجال الدين وتعزيز انتمائها الوطني، واعلنت الثورة على روما وقادت جيشا يضم اكثر من مئة ألف من مختلف ابناء القبائل السلتية وبدأت بمهاجمة وتدمير المعسكرات والتجمعات الرومانية واحدا تلو الآخر حتى كادت ان تبيد كامل الجيش الروماني في بريطانيا الى ان وصل الخبر الى نيرون امبراطور روما والذي فكر جديا بسحب ما تبقى من قواته من بريطانيا، الا ان القائد الروماني سويتونيوس واجه جيش الملكة بوديكا بما تبقى من جنود رومانيين وهزمهم في معركة واتلين غستريت حيث كانت الغلبة للخبرة والتدريب العسكري التي تميز بها الرومان على الشجاعة والاقدام غير المنظمين والتي اتصف بها الجيش السلتي، وفي آخر صور الكبرياء والتحدي لروما قامت الملكة بوديكا بتناول السم وقتل نفسها لتنتصر لشعبها ولقضيتها العادلة على طغيان روما وجبروتها.
وبعد ألفي عام تعود روح الملكة بوديكا لتتجسد في تمثالها المهيب لترى ما حل بوطنها لتجد بعض أحفادها يحتفلون بذكرى مئوية لوعد شرعن ما اقترفه الرومان بوطنها قبل ألفي عام، ففي بداية القرن العشرين سيطرت الروح الاستعمارية المرتكزة على طمع وجشع هؤلاء الأحفاد حكام بريطانيا في ذلك الوقت ليحللوا لأنفسهم احتلال وطن تشكل منذ أكثر من عشرة آلاف عام وسكنه شعب وصفوه بالهمجية والبربرية في بعض قواميسهم وعدم قدرته على ادارة نفسه رغم ان حضارة هذا الشعب العربي الفلسطيني بنت أول مدينة في التاريخ وعلمت الأبجدية والزراعة للعالم ولونت ملابسهم باللون الأحمر القاني ذلك الوطن هو فلسطين وذلك الشعب هو شعب فلسطين.
لم تقتصر صدمة الملكة بوديكا بقيام أحفادها باحتلال أوطان الغير، بل بمنح تلك الأوطان لأناس آخرين لا حق لهم بها غير اصحابها الاصليين وذلك تمثل بوعد حفيدها أرثر جيمس بلفور والذي تعهد بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، فلم تكن فلسطين يوما ملكا لبريطانيا وكان الفلسطينيون يعيشون فيها منذ آلاف السنين وقبل نزول التوراة على رسول الله موسى عليه السلام، وما زاد في صدمة الملكة المحاربة هو قيام حفيدتها تيرزا ماي بالاحتفال بهذا الوعد وفخرها به بعد مرور مئة عام ومتجاهلة للجريمة التي ارتكبت بحق شعب عاش الظلم والقتل والتشريد والابادة بسبب ذلك الوعد المشؤوم.
ومن هول صدمتها لما اقترفه احفادها استرجعت الملكة بوديكا ذلك اليوم من ذاكرتها بوجه شاحب وبعيون دامعة عندما جلدت واغتصبت بناتها وقتل أفراد شعبها ودمر وطنها على يد محتليهم لاعنة بذلك المشهد الأليم أحفادها بلفور وماي ولسان حالها يقول: ان نضال اجدادكم وتضحياتهم قدمت لرفع الظلم ونشر العدالة وليس لشرعنته وتكرار ما فعله الرومان بوطنكم.
وبوجه مشرق وبعيون متفائلة نظرت الملكة بوديكا الى ابناء فلسطين قائلة: ان نضالكم وكرامتكم وصمودكم على ارضكم رغم ما آل بكم من ظلم احفادي وجشعهم ترسخون صورة المجد والكبرياء التي جهدت وابناء شعبي لتحقيقها قبل الفي عام وانتم تكملون المسيرة وستنتصرون في النهاية كما انتصر ابناء شعبي واحفادي الخيرين من بعدي على ظلم روما.