نبض الحياة - الدور التاريخي للرئيس عباس -5 -
عمر حلمي الغول
الفلسطيني الأخير
هذا عنوان الكتاب للمؤلفين غرانت روملي وأمير تيبون، والكتاب كما اتضح من خلال الحلقات الأربع السابقة استهدف بشكل مباشر شخص ومكانة الرئيس ابو مازن، حيث جاء العنوان كالتالي: الفلسطيني الأخير: صعود وعهد محمود عباس، حيث قاما بجردة حساب ملفقة ومفبركة ومليئة بالأكاذيب والافتراءات هدفت إلى إرسال رسالة مفادها، ان هذا الفلسطيني "الضعيف" و"الفاشل" و"المستبد"، هو آخر الفلسطينيين، والمرحلة القادمة قد لا تشهد زعيما فلسطينيا آخر. هذا ما تمكن قراءته بين سطور الكتاب مدفوع الثمن. رغم ان الكاتبين ذكرا في سياق استشهاداتهما العديد من الفلسطينيين المقبولين والمحسوبين على اميركا وإسرائيل.
مع ذلك سيتفق المرء مع الكاتبين بأن محمود عباس، هو الفلسطيني الأخير، ولكن من زاوية أخرى. فهو الزعيم الأخير الذي قد يكون مؤهلا لتوقيع اتفاق سلام على اساس خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967. لأنه مقتنع بسلام الشجعان مع دولة الاستعمار الإسرائيلية، وكونه يعتبر هذا خياره، ويعكس رؤيته السياسية، التي ناضل من اجلها طويلا، وجابه في سبيلها التحديات الجسام داخل وخارج الساحة الفلسطينية.
لكن في حال غاب الرجل بعد عمر طويل فقد لا تجد إسرائيل وأميركا قائدا فلسطينيا يوافق او مستعد للسير معهم في خيار السلام وحل الدولتين على حدود ال67. لأن القيادات الفلسطينية ستكون وصلت إلى طريق مسدود مع دولة التطهير العرقي الإسرائيلية، وستنفض يدها من الولايات المتحدة والرباعية الدولية ورعايتها لعملية السلام. وبالتالي سيتجه الفلسطينيون إلى خيارات أخرى لن تكون في كل الأحوال في مصلحة إسرائيل وحليفتها الإستراتيجية الولايات المتحدة.
وكل زعيم فلسطيني يفكر لاحقا في المضي قدما في ذات السياسة القائمة الآن، ويفترض في نفسه القدرة على مواصلة خيار السلام الحالي، يكون مخطئا ولا يقرأ الواقع، ولا يملك مجسات استشراف المستقبل. مضى حتى الآن 24 عاما على اتفاقيات اوسلو المثلومة، التي أماتتها ودفنتها حكومات إسرائيل المتعاقبة، ولم تحمل يوما بصيص أمل بإمكانية بناء تسوية سياسية مقبولة على اساس خيار الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967، فضلا عن تدفيعه الثمن غاليا. الأمر الذي يشير إلى حدوث تحولات دراماتيكية في المشهد الفلسطيني. لأن ما هو ممكنا في عهد الرئيس عباس وطيلة السنوات الماضية، لن يكون مقبولا ولا ممكنا مستقبلا، كون الستارة ستسدل على مرحلة لم تحلم إسرائيل الخارجة على القانون بمثلها منذ قامت على انقاض الفلسطينيين ونكبتهم في العام 1948. وسيتجه الرأي العام الفلسطيني نحو منعطافات مغايرة تماما لمرحلة اوسلو.
ولا يعتقد المرء، ان الحلول الإقليمية والأمنية الإسرائيلية والأميركية والعربية الرسمية ستكون مقبولة من الفلسطينيين، حتى من انصار السلام، لأنهم جميعا ذاقوا مرارة الاستيطان الاستعماري، وشاهدوا بأم أعينهم أنه لا وجود لشريك إسرائيلي في صناعة السلام. حتى ادعياء "اليسار" الصهيوني باتوا يزاودون على غلاة اليمين المتطرف. الأمر الذي سينجم عنه انقلاب في معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وبالتالي إن كانت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة واضرابهم من العرب معنيين بصناعة السلام الممكن والمقبول، فعليهم ان يصنعوه مع الفلسطيني الآخير القادر والمؤهل والمستعد لبناء جسور السلام الرئيس محمود عباس وفق خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 67 وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين لديارهم التي طردوا منها وفق القرار الدولي 194 و237 وقبل فوات الآوان.
جرب الإسرائيليون والأميركيون وضع سيناريوهات عديدة لتصفية القضية الفلسطينية، وتوافق معهم بعض العرب منذ نشأت دولة الاستعمار في 1948 وحتى الآن، ولكن سيناريوهاتهم جميعها فشلت. وستكون نفس النتيجة لأية سيناريوهات راهنة او قادمة. وما لم يقبل الفلسطينيون حلا سياسيا يستجيب لمصالحهم واهدافهم الوطنية سيقلبون الطاولة على رؤوس الإسرائيليين وحلفائهم في المنطقة والعالم. فهل يتداركون الموقف ويعيدون النظر بخياراتهم الاستعمارية ويعودون لجادة السلام مع الفلسطيني الأخير؟ الأمر مرهون بكيفية قراءتهم للواقع والمستقبل دون غرور وغطرسة.
انتهى