عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 19 تشرين الأول 2017

نبض الحياة - الدور التاريخي للرئيس عباس (3)

عمر حلمي الغول

الدور التاريخي للرئيس عباس:

سعى المؤلفان إلى "نبذ الشرعية التاريخية عن الرئيس محمود عباس عن طريق التقليل من دوره التاريخي في الحركة الوطنية، فقالا "إنه كان بعيدا عن الأحداث التاريخية التي مرت بها الثورة الفلسطينية". وتجاهلا عن سابق عمد وإصرار واقع وطبيعة عمل الثورة وتوزع قياداتها، فأوردا مثالا ساذجا وخاويا، فكتبا "أن الرئيس عباس وعائلته كانوا في سوريا بينما كانت المنظمة تحارب القوات الإسرائيلية في حصار بيروت، وذلك لأنه يمقت الجو الثوري الموجود في بيروت".

ولتوضيح إفلاسهما وخواء معلوماتهما يود المرء إيراد بعض المحطات المهمة في دور الرئيس شخصيا في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، فأولا كان الرئيس عباس من اوائل المنتسبين لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح؛ ثانيا كان عضوا في اللجنة المركزية منذ  المؤتمر الأول للحركة، وهو الآن رئيس الحركة والقائد العام لها وللقوات الأمنية الفلسطينية؛ ثالثا وهو الأهم، كان صوت الرئيس محمود عباس، هو الصوت المرجح لاعتماد حركة فتح الكفاح المسلح عند انطلاقتها؛ رابعا تحمل مسؤولياته الكفاحية التي كلف بها على مدار تاريخه بأمانة واقتدار؛ خامسا كان متابعا لتطور الحركة الصهيونية، وحصل على درجة الدكتوراة عن دراسة له حول الصهيونية، وأصدر العديد من المؤلفات ذات الصلة، وهو من القلائل من قادة حركة فتح الذين ربطوا النضال بالمعرفة بجوانبها المختلفة خاصة السياسية والتاريخية؛ سادسا صاحب مواقف واضحة وصريحة وجريئة، لا يخشى الإعلان عن موقفه من هذه المسألة أو تلك في مختلف مراحل النضال الوطني؛ سابعا لكفاءته واقتداره السياسي تم تسليمه مهمة أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ ثامنا واجه التحديات بصلابة وشجاعة، ولم ينحن أمام المنعطفات الصعبة، ويملك الشجاعة للتراجع عن أي قرار اتخذه يشعر أنه لم يكن مصيبا في حال اقتنع بذلك؛ تاسعا اختلف من موقع الند مع الرئيس الراحل ابو عمار وعلى أرضية التكامل لا التناقض. وجاهر في العديد من المحطات السياسية باختلافه مع سياسة زعيم الشعب الفلسطيني الراحل، وتحمل بكثير من الصبر والقوة عمليات التحريض والتشهير التي طالته من تيارات الخصوم السياسيين، ولم تثنه تلك الحملات عن التراجع قيد أنملة عن خياراته السياسية الوطنية؛ عاشرا في الانتفاضة الثانية وقبل توليه موقع الرئاسة أعلن رفضه خيار عسكرتها، وأعلن ذلك على الملأ؛ حادي عشر عندما ترشح للرئاسة عام 2005 أعلن برنامجه الانتخابي دون مواربة او ضبابية، وأَشهر موقفه بقوة بتبنيه خيار السلام والمفاوضات، والنضال الشعبي السلمي والسياسي والدبلوماسي؛ ثاني عشر رفض تقديم اية تنازلات عن الثوابت الوطنية المعلنة والمقرة من المجلس الوطني الفلسطيني، وعكس ذلك في قمة كامب ديفيد تموز 2000 حين كان عضوا في الوفد الفلسطيني مع الرئيس ابو عمار، وكان كلاهما سدا منيعا في مواجهة تيار الشباب، الذين كانوا في الوفد، وسعوا للضغط عليهما لتقديم تنازلات مجانية في ملف القدس وملف نسبة التبادل للاراضي وايضا في ملف اللاجئين؛ ثالث عشر ما زال يواصل تحمل مسؤولياته القيادية رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية ولحركة فتح وللسلطة الوطنية والفريق المفاوض ويتابع أدق التفاصيل بكفاءة عالية، رغم كل الصعاب والعقبات والعراقيل والألغام التي وضعت في طريقه، وحافظ حتى اللحظة المعاشة على قوة ومركزية القضية الفلسطينية في المستويات والمنابر العربية والإقليمية والدولية، رغم كل التحولات السلبية التي عاشتها دول الوطن العربي خصوصا والإقليم الشرق اوسطي عموما؛ رابع عشر تمكن من الارتقاء بمكانة فلسطين لدولة مراقب في الأمم المتحدة تشرين الثاني 2012، وما زال يسعى بقوة لنيل فلسطين مكانة العضوية الكاملة في الأمم المتحدة؛ خامس عشر رغم حدوث الانقلاب الحمساوي الأسود في عهده إلا انه يعمل هذه الأيام على استعادة الوحدة الوطنية، وإعادة محافظات الجنوب إلى حاضنة الشرعية الوطنية مستفيدا من كل العوامل والتطورات المحيطة بالقضية والشعب الفلسطيني، ولم يفكر او يلجأ يوما لخيار العنف لاستعادة الوحدة الوطنية، بل اعتمد لغة الحوار والمفاوضات وفتح الأبواب الموصدة امامها وامام حركة حماس؛ سادس عشر رفض رفضا قاطعا العودة للقطاع على ظهر دبابة إسرائيلية، لا بل لاحق ويلاحق مجرمي الحرب الإسرائيليين على جرائمهم ضد ابناء الشعب الفلسطيني؛ سابع عشر أشرف بنفسه على أنزه انتخابات تشريعية تحصل في فلسطين عام 2006، ورغم معرفته بنتائج الانتخابات لصالح حركة حماس، أصر على إعلان النتائج كما هي، وأبلغ إسماعيل هنية بنفسه النتائج وبارك له، ومن ثم كلفه برئاسة الحكومة العاشرة، ثامن عشر ناور وهادن في الكثير من المحطات السياسية، ولكن عندما استدعت منه الضرورة اتخاذ موقف حازم وقاطع ضد هذا القيادي او ذاك او هذا الحزب او تلك الحركة او تجاه دولة من الدول لم يتردد في ذلك؛ تاسع عشر قاد بشجاعة وكفاءة المؤتمرين السادس والسابع لحركة فتح، وعزز دوره القيادي كقائد غير منازع، بغض النظر عن رأي خصومه واعدائه فيما حملته وأنتجته المؤتمرات؛ عشرون نسج علاقات مع زعماء الدول في القارات الخمس بشكل لافت ومميز، وبات يحظى بمكانة عالمية فارقة، وعزز من مكانة القضية الفلسطينية؛ واحد وعشرون كان مهندس اتفاقيات اوسلو، وهي محطة نوعية في مسار القضية الفلسطينية بما لها وما عليها، وبغض النظر عن الرأي الشخصي بها. وكان يدرك حجم الألغام التي تحملها تلك الاتفاقيات، كما يعرف خبث وعدم وفاء القيادات الإسرائيلية، مع ذلك ركب امواجها العاتية معتقدا أنه بتثبيت الكيانية الفلسطينية في الجيوبوليتك والمراكمة الكمية للإنجازات الصغيرة والمتدحرجة وفق مبدأ الخطوة خطوة يستطيع مع الكل الفلسطيني بلوغ الأهداف الوطنية. وهناك الكثير من الإسهامات الوطنية للقائد محمود عباس، قد لا أكون ملما بها. إثنان وعشرون لا يوجد بعد الرئيس الراحل ابو عمار شخص قيادي مؤهل يمتلك الشجاعة والقدرة على توقيع اتفاق سلام الشجعان الممكن والمقبول أكثر من شخص الرئيس محمود عباس. فهو المؤهل، لأنه مؤمن بخيار السلام، ويعتبره هاجسه الشخصي دون تردد او تأتأة.

ما تقدم يكشف عن شخصية قيادية متميزة بسمات خاصة به. فهو نسيج ذاته. ولا يقبل ولم يقبل أن يكون نسخة كربونية عن أحد مهما كان. وهذا لا يعني ان تجربة الرئيس ابو مازن كانت تسير في خط بياني مستقيم. لا هو قال ذلك، ولا غيره تبنى هكذا موقف، لأن تجربته القيادية لمسيرة الكفاح والبناء شهدت وتشهد الكثير من منعطفات الصعود والهبوط، ومن محطات التقدم والتراجع والتعرج والإنكفاء، بتعبير أوضح لم يقل يوما لم أخطئ، بل العكس صحيح، فهو كإنسان يعترف دون حرج أو تعلثم، أنه يصيب ويخطئ، وهو ليس معصوما من الخطأ. لكنه يمتلك كل المواصفات التاريخية التي اهلته للزعامة الوطنية. ولو لم يكن يمتلك تلك الخصال لما تمكن من الصعود إلى سلم القيادة وتبوأ سدتها. وبالتالي تُظهر الصفات المذكورة شخصية كاريزمية بامتياز بغض النظر ان أعجب هذا التقييم والتقدير الإسرائيليين وأدواتهم او من يدور في فلكهم او لم يعجبهم، فهذا شأنهم. لكنها الحقيقة الدامغة.

اما الحديث عن انه يقيم مع اسرته في دمشق او الدوحة او بيروت او غيرها، فهذا الأمر لا يقدم ولا يؤخر في مكانة هذا المناضل او ذاك القائد. وليس مطلوبا من كل الثوار والمناضلين ان يكونوا في ساحة الحرب، او بلد معين، فطبيعة النضال الوطني الفلسطيني بحكم النكبة التي انتجها قيام دولة إسرائيل عام 1948، فرض على الفلسطينيين التوزع على دول الطوق العربية وغيرها من الدول. وهذا التوزع الموضوعي لم يشكل يوما عائقا أمام النضال الوطني الفلسطيني، لا بل انه ساهم في توسيع دائرة تأثير القضية الفلسطينية على المحيط العربي والعالمي، كما ان الانتشار الفلسطيني سمح للفلسطينيين بالمناورة لصالح كفاحهم التحرري. وبالتالي إن كان هذا المناضل موجودا في سوريا او لبنان او الأردن او في الضفة او القطاع لا يؤثر على إنتاجيته الكفاحية، ولا على دوره الوطني، لأن الجميع كل من موقعه، وفي موقعه السياسي او الدبلوماسي او الإعلامي والثقافي او الإقتصادي هو في الميدان الكفاحي، كون الجهود الوطنية تتكامل في بوتقة النضال الوطني التحرري. وإيراد ذلك من قبل الكاتبين يعكس فقر حال وجهل مدقع في مدرسة النضال الفلسطيني التحرري.

صعود محمود عباس:

عالج المؤلفان في الفصل الأول نشوء وتطور حياة الرئيس الفلسطيني من الولادة في صفد إلى النكبة في 1948 والهجرة إلى دمشق حتى تسلمه موقع الرئاسة. لكنهما وفق منطقهما الإرادوي والرغبوي في الإسقاط لفرضيتهما المسبقة المستهدفة شخص رئيس منظمة التحرير، و"التقليل من شأنه"  يخلصان إلى ان الرئيس الراحل عرفات "همش" دور ومكانة ابو مازن! والحقيقة تقول عكس ذلك تماما كما اوردنا أعلاه. فلم يكن ابو مازن يوما مهمشا، بل كان في موقع الصدارة بين اقرانه اعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح وأعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وتقريبا اختلف الرئيس عرفات مع العديد من مرؤوسيه في فتح ومنظمة التحرير، لكن هذا الاختلاف لم يفسد للود قضية، وبقي الحبل السري يربط بين الختيار وكل قادة الحركة الوطنية وفي طليعتهم الرئيس عباس. أضف إلى ان ابو مازن كان من البدايات متسلما مهمة المفوضية المالية، وتسلم مهام عديدة في مسيرته الكفاحية في حركة فتح ومنظمة التحرير. وهو ما يعكس حضوره الدائم في المشهد الفتحاوي والوطني. ولم يكن صعوده وليد الصدفة، انما جاء كحاجة وضرورة ارتباطا بموقعه القيادي على المستويين التنظيمي والسياسي الوطني. حتى كل من هاجمه قبل توليه موقع الرئاسة، عندما ترشح للانتخابات الرئاسية الجميع وقفوا خلفه ودعموه بعيدا عن خلفياتهم الشخصية والتنظيمية والوطنية. الأمر الذي يؤكد ان الرجل لم يقفز لموقع الرئاسة بالبرشوت، بل جاء استنادا إلى محددات تنظيمية وسياسية، ولقناعة من صوت له وخاصة من النخب السياسية بأنه المؤهل لتولي موقع الخليفة للزعيم الراحل ابو عمار.

وفي ذات الفصل يتوقف المؤلفان عند مشاركة الرئيس ابو مازن في جنازة شمعون بيريز، التي يفترض منهما ان يعتبراها دليل شجاعة وقوة، لا سيما ان الرئيس عباس اتخذ قرارا جريئا في لحظة صعبة من حياة الشعب الفلسطيني، ومع ذلك أصرا على "تبهيت" الأمر، وأخذا منها البعد السلبي ليوجها سهامهما السامة ضد شخصه. وبدل ان يدينا حملة الانتقادات التي تعرض لها الرئيس ابو مازن من قبل القوى المتطرفة في الداخل والخارج، لجأا إلى التصفيق لها، واعتبارها دليلا على ما ذهبا إليه، بدل ان يعترفا، بأنها خطوة شجاعة  جدا. واعتبرا الشيء الوحيد المريح للرئيس عباس، هي كلمات الرئيس أوباما اثناء كلمته لتأبين شمعون بيريز. وهي كلمات مهمة، حيث ان الرئيس محمود عباس، هو الشخصية الوحيدة من بين 70 زعيما شاركوا في الجنازة، الذي ذكره الرئيس باراك اوباما، وهو من توجه إليه وصافحه. وهذه اللفتات لم تكن وليدة الصدفة ايضا، انما نتاج تقدير الرئيس الأميركي السابق لأهمية الخطوة الذكية والشجاعة التي اتخذها الرئيس ابو مازن، وأكد من خلالها تمسكه بخيار السلام وحل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967، وكشف غياب الشريك الإسرائيلي. حيث استطاع ان يربك الحكومة الإسرائيلية، التي حاولت هي وليس أحد غيرها تهميش مشاركته، غير ان زوجة شمعون بيريز تصدت لنتنياهو ووزيرة ثقافته ريغف. وبالتالي الذي حوصر في تلك الجنازة هو رئيس الحكومة الإسرائيلية واركان حكومته. كما ان الرئيس عباس استثمر تلك المشاركة في اللقاء مع الرئيس الفرنسي السابق اولاند لدعم مؤتمر باريس للسلام، الذي عقد مطلع العام الحالي بمشاركة 70 دولة وعدد من المنظمات الأممية، ونتيجة الانتخابات الفرنسية ونتائجها لم تتم مواصلة العمل بآلية مؤتمر باريس للسلام.

مرة أخرى يقع المؤلفان في شر فرضيتهما البائسة، فبدلا من ان يصفقا ويرحبا بخطوة الرئيس ابو مازن، حاولا التقليل منها، والانتقاص من جرأة الزعيم الفلسطيني، ليس هذا فحسب، بل سلطا الضوء على حملات النقد التي قادها المتطرفون اصحاب الخطاب الشعبوي للتدليل على ضعف شعبية الرئيس الفلسطيني، حتى انهما وصفا شعبيته "في واشنطن أكثر منها في فلسطين". ورغم أن المقاربة غير صحيحة وتتناقض مع الواقع، لأن شعبية الرئيس ابو مازن في اوساط شعبه تتعاظم ولا تتناقص، ولعل من راقب في الأمس القريب ذهاب رئيس حكومة الوفاق الوطني لقطاع غزة مع مكونات حكومته وكيفية الاستقبال الشعبي لها من ابناء الشعب لأدرك حجم التأييد الشعبي للرئيس وحكومته وخياره السياسي. اضف لو كان حجم شعبيته في أميركا كما قالا، لكان عليهما على الأقل ألا ينشرا كتابهما المملوء بالمغالطات والأكاذيب والتلفيقات، ولكان عليهما إنصاف الرجل ومدحه بدل الإساءة لشخصه ودوره الريادي في صناعة السلام. لكن كيف يكون ذلك، وهما وضعا نصب عينيهما الإساءة لمكانة وشخص الرئيس الفلسطيني.

[email protected]