عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 15 تشرين الأول 2017

تغريدة الصباح - ماراثون البقاء والرحيل

حنان باكير

تبقى المسلمات الوجودية حقيقة، نعترف بها، نتقبلها ولو بمرارة. الى أن تقترب من أحباء لنا، فتصير وهما، ونصاب بالصدمة والهلع، تتجمد الحواس جميعها دفعة واحدة. وكأن عطلا قد ضرب نظام الكون.

يوم قال لي المفكر والكاتب العراقي النرويجي وليد الكبيسي، بأن الطبيب يشك بإصابته بمرض السرطان، ضحكت وقلت له: هذه مزحة من العيار الثقيل غير مقبولة. بهدوئه المعهود، أكد لي الخبر، الذي أُصر بدوري، على رفضه وعدم تصديقه.

انقطع عن التواصل مع أصدقائه، فترة وجيزة. الى أن استلمت منه رسالة يعتذر فيها عن عدم الرد، بسبب تأكد انتشار المرض بشكل عدواني، وتلقيه علاجا مزعجا. مع وعد بالاتصال قريبا. علمت من أحد الأطباء لاحقا، كيف استقبل صديقي الخبر. طبيبته التي تشرف على علاجه، طلبته على عجل، الى اجتماع سريع. شرحت له وبكثير من التفاصيل، نتائج الفحوصات، والانتشار السريع للمرض. ونصحت ببقائه في المستشفى، طيلة الأشهر القليلة الباقية من حياته، وقد حُددت من ستة أشهر الى ثمانية، على أن يخرج مدة يومين في الأسبوع في إجازة قصيرة. رفض العرض شاكرا اهتمامها براحته، وصراحتها في طرح الموضوع. قبّل يدها باحترام وانسحب. فهو يفضل البقاء ولو وحيدا في البيت، من يعرف وليد جيدا، يدرك أنه لا يستطيع التنفس من دون كتبه التي تحتل شقته، ومقعده، وليس من دون أدوات كتابته، وأكوام الجرائد الورقية.

صديقة لنا، كانت تدعوه دوما للقاء على وجبة طعام وكأس نبيذ. كان يعتذر بلباقة، بسبب انشغالاته وربما لأسباب لم يعلنها. لكن حال خروجه من المستشفى، بعد تلقيه نتيجة الفحوصات، اتصل بها، ووجد الدعوة ما زالت سارية المفعول. التقيا للاحتفال بأمر لم يخبرها إياه.. بعد الاحتفال أخبرها بمرضه. انتهت جلستهما بعد منتصف الليل. وفي صباح اليوم التالي اتصلت به لتسأله، إن كان حقا مريضا، أم أن ما سمعته بالأمس كان حلما!

التقيت وليد مرات عدة، بعد مرضه. كان دائم الانشغال بمشاريعه الثقافية. في إحدى المرات ردّ على مخابرتي من لندن، كان في مؤتمر عن حرية التعبير والرأي. وفي مرة ثانية، تكلم من تروندهايم، حيث كان يلقي محاضرة... قائمة مشاريعه الثقافية طويلة، وربما تحتاج الى عمرين، فكيف يختصرها أو ينجزها في المدة التي حددها له المرض اللعين!!

حدثني عن الفيلم الوثائقي الذي عليه انجازه قبل انتهاء مدة... لا سمح الله. يشعر بالأسف لأن عمله يسير ببطء، بسبب العلاج الكيماوي. يداوم وليد على كتابة عاموده الأسبوعي، في مجلة "داغ أوغ تيد"، وينشر المقالات الرئيسية في كبريات الصحف النرويجية. يطرح موضوعات جدلية، فتنهال المشاركات من الكتاب والقراء. ناقشته في أحد الحوارات بمقالة نشرت مؤخرا.

وليد الذي يصارع الزمن والوقت، أخبرني بأنه ينوي تغيير سيارته، التي بدأت تزعجه، شهقتُ.. كم تليق بك الحياة يا صديقي! قبل يوم من كتابة التغريدة، زرته بمهمة عمل، وكانت أخته المقيمة في البرازيل، قد جاءت لوداعه.. كانت جلسة عائلية.. امتدت حتى منتصف الليل، غنت الأخت بصوت شجي، وغنى ابن العم ورقصت الأخت الثانية، وكذلك الأخ الذي نقر على الطاولة.. جلسة عراقية بامتياز، أغان تراثية، هم اعتادوها لكن بالنسبة الينا، هي ألحان وأغان حزينة، تثير الشجن، وتستدر الدموع. لم يكن وليد بأقل طربا واحتفاء بلمّة العائلة. وبشكل طبيعي، أخبرنا أن صديقتنا النرويجية "غورو"، قد منحته قبرا في مدفن العائلة الخاص، ومن دون مقابل.. دار في خاطري تساؤل، هل صارت الهدايا تقدم في ساعة الرحيل، كما في ساعة الميلاد!

في قطار المساء، في الطريق الى البيت، أطلقت سراح دمعات حارقة.. رغم كل الدلائل التي تؤكد صحة كلام الأطباء، والهزال الواضح الا أني أرى قدر هذا المبدع، ما هو إلا وهم! اعذرني يا صديقي فهذه ليست الا حكاية، أتمنى أن تكون بنهاية سعيدة مثل حكايا جداتنا.. من قلبي دعاء لك بالنصر في ماراثون البقاء أو الرحيل!