عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 19 آب 2015

المعنى والعمران وأبو جلدة

عدلي صادق

في عام 2000 جئت الى رام الله، وكنت أغشاها للمرة الثانية، قبل ترددي عليها في السنوات الأخيرة. يومها تملكني هاجس المرة الأولى وذكراها. في المرة الثانية، كان حافظ البرغوثي، يطوف بي في المدينة بسيارته. فطلبت منه أن يأخذني الى مقر بلدية البيرة. وجدت نفسي أمام مبنى جديد، لم يكن قائماً في العام 1967. ألححت عليه الذهاب الى المكان، الذي كان فيه مقر بلدية المدينة قبل احتلالها. هناك، كانت نقطة نهاية العمران، وفيها بناية سكنية أنيقة، لها شرفتان زجاجيتان بلون داكن. ذهبنا الى مفترق الطرق والإشارة الضوئية، بعد مطعم سامر البطراوي، فتعرفت سريعاً على مقر البلدية، الذي بدا صغيراً في حجم غرفة، ذا سقف أحدب، فيما انبثقت عن جدرانه، من بين الحجارة القديمة، وعن أطراف السقف، أعشاب خضراء. كان المقر مُغلقاً وأحسست أنه يصلح لأن يكون مُتحفاً للبلدية، تُعرض فيه على الزائرين، بعض شواهد وسمات الحياة الاجتماعية، من صور مناسبات، وسجلات، ومتعلقات شخصية، لأوائل الذين عملوا في البلدية. لكنني، عندما عُدت في المرة الثالثة، في العام 2008 وكنت حريصاً على أن أتفقد أول ما أتفقد، مقر بلدية البيرة القديم؛ وجدت العقار في نقطة التقاطع الضيقة المحشورة، مؤجراً لمكتب تاكسيات، لا يُناسبه البناء ولا هو يصلح لأن يكون مكتباً لتاكسيات. شعرت كأنما الدنانير تطفو على الذكرى والتاريخ الاجتماعي. وتداعى شعوري ذاك، الى قلق على المعنى، الذي ينبغي أن يرافق العمران. فقد توسعت المدينة بقوة دفق الحياة، لكن المعنى ظُلم، مثلما يُظلم مريض أعياه تلكؤ التأمين الصحي، أو أهملته دوائر التحويل العلاجي، أو تغالظت معه العنابر. سألت عن اسم منطقة الامتداد العمراني الأنيق، من نقطة المقر القديم لبلدية البيرة، الى المغتصبة التي تسمي نفسها "بيت إيل"؛ فصُدمت بالاسم: إنه "البالوع" والعياذ بالله، وليس ابراهيم طوقان أو خليل السكاكيني أو أمين الحسيني أو حتى "أبو جلدة والعرنيط" كاسمين معطوفين على ذكرى بطلين شعبيين شقييّن، إن كان ولا بد من التخويف. فقد كتب عن ابي جلدة وصالح العرنيط، بعض مدوني أحداث الثلاثينيات، ومنهم نجاتي صدقي الذي عرفهما في السجن، ورددت اسميهما الأهازيج، وللحاج أمين الحسيني فيهما، رأيٌ طريف!

لم يكن ظُلم المعنى وتغييب الذكرى والدلالة، في مسميات أحياء المدينة، اقتصر على "البالوع". الشارعان الزخران بالحياة، لهما اسمان معطوفان على نقطتين ضئيلتين، واحدة ما زالت باقية والأخرى غابت. الباقية هي نقطة بيع المثلجات، في محل "رُكَب". فالشارع الذي يتوسط المدينة، هو الآن محض "رُكَب" الذي يُفسَر بلغة الدنانير، على نحو باهظ، وبالملايين لكل عقار، امتلاكاً واستئجاراً. لقد ظل اسمه كما هو، حتى بعد استشهاد البطل الوطني ياسر عرفات. أما الشارع، سَميُ النقطة الضئيلة التي غابت، وهي إرسال الإذاعة في زمن البريطانيين؛ فقد ظل "الإرسال". لم يشفع لأمنية التغيير، كل التطور الرقمي، ولا وجود مقار بيع خدمات الإنترنت في الشارع نفسه، وظل الاسم كما هو، بعد استشهاد القائد الوطني أبو علي مصطفى، والشيخ المجاهد أحمد ياسين.

لا حاجة، بعدئذٍ، للإطالة ولتأمل أسماء أحياء "أم الشرايط" و"الماصيون" و"السرية" و"دار جغب" وسواها.

في وطننا، مر تاريخ من الوئام والتفاؤل الاعتزاز بالدور الكفاحي. وعلى مستوى البسطاء، كان صالح العرنيطي، أحب الناس الى أبي جلدة، أحمد محمود الطموني. وصدح منشدو الأهازيج: وأبو جلدة ماشي لحاله، والعرميط راس ماله/ أبو جلدة والعرميط ياما كسروا برانيط!

في المرة الأولى، وصلت الى رام الله متسللاً عبر النهر. لم تكن المدينة مقصدي، لكن الدروب أوصلتني اليها، ففتشت عن خالتي المرحومة الحاجة سعاد، التي كانت تقطن في البيرة، قبالة مقر البلدية القديم، وهذا ما جعلني أبدأ بذلك المكان وأتفقده، وتلك قصة أخرى غير موصولة!