عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 تشرين الأول 2017

قطاع الاراضي ما بين رؤية دولته وواقع الدولة

احمد سعدي الاحمد *

أرى في عملية طرح رئيس الحكومة خارطة طريق والتي تم إعدادها لإصلاح وتطوير قطاع الأراضي في فلسطين، انسجاماً مع أجندة السياسات الوطنية 2017 - 2022، والتي ركزت بشكل واضح على ضرورة إصلاح وتطوير قطاع الأراضي في فلسطين كأولوية وطنية للأعوام الست القادمة، نظراً للأهمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لقطاع الأراضي باعتباره من أهم مقومات الدولة الفلسطينية، خاصة ما يتعلق بحماية الأرض الفلسطينية وملكيتها للشعب الفلسطيني، وتحفيز الاقتصاد، وزيادة الاستثمار والإيرادات، وحل النزاعات على الملكية وغيرها من القضايا، والحفاظ على السلم الأهلي والتماسك المجتمعي.

وفي هذا السياق، قرر المجلس تشكيل فريق وطني لإصلاح وتطوير قطاع الأراضي برئاسة رئيس الوزراء وعضوية كل من وزير المالية والتخطيط، ووزير الحكم المحلي، ورئيس سلطة الأراضي، ورئيس هيئة تسوية الأراضي والمياه، مع إمكانية إضافة وزراء آخرين عند الضرورة، وتشكيل فريق فني من المؤسسات الأعضاء في الفريق الوطني مع ضرورة إضافة مؤسسات أخرى كوزارة الخارجية والاقتصاد الوطني والأوقاف والشؤون الدينية، وتشكيل مجلس إدارة واحد للإشراف على عمل سلطة الأراضي وهيئة التسوية مكون من ممثلين عن الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص برئاسة رئيس الوزراء أرى بهذا الطرح خطوة جريئة طالما انتظرناها ولم نكن نعلم أسباب تأخرها مع أهميتها الوطنية القصوى، وبكل الاحوال أن تأتي خيرا من أن لا تأتي، وفي هذا الصدد أقترح على اللجنة الوزارية المختصة وعلى رأسها دولة رئيس الوزراء الآت:

أولا: توحيد الاجراءات والقوانين الناظمة لعمل قطاع الاراضي وتطويرها بما يحاكي الواقع الفلسطيني، بحيث تصبح تلك القوانين قادرة على حماية هذا القطاع بمرونتها وانسجامها مع الحداثة التي مر بها المجتمع الفلسطيني وكيانه السياسي، ذلك الوليد حديث النشأة، والذي بالضرورة يحتاج لسياج حامي له من أي عوامل خارجية أو داخلية تستغل منفذا هنا أو هناك من خلال استغلالها لحالة التخبط القانوني الناجم عن قدم التشريعات وقصورها، ما يزيد من حالات التزوير والنصب والاحتيال والتسريب، في بعض الأحيان، والتي يصعب معها حماية أصل الصراع "الأرض"، فلا يعقل أن يستمر العمل بهذا القطاع بأمرة ما يزيد عن مئة قانون ما بين عثماني وانجليزي وأردني ومصري مرورا بالأوامر العسكرية الاسرائيلية وصولا للتشريعات والتعليمات والقرارات بقانون الصادرة عن السلطة الوطنية الفلسطينية....

ثانيا: توحيد الجهات المسؤولة عن هذا القطاع ودمجها تحت كيان معنوي ذي شخصية اعتبارية مستقله أيا كان اسمها يجمعها الصلاحيات والأغراض المتشابهة وهذا من شأنه تقليص الانفاق من بند المصروفات العامة من الميزانية العامة من جهة وتحديد مرجع واحد صاحب الولاية والقرار من جهة أخرى ما يحقق السرعة باتخاذ القرار وتوحيد الاجراءات وضبط جميع القضايا ذات العلاقة بقطاع الاراضي، وما يعني زيادة الواردات للخزينة العامة "فمثالا لا حصرا معظم أراضي الدولة معتدى عليها ومجرد السيطرة عليها يعني ايجاد مورد كبير للخزينة العامة يقدر بمئات الملايين من الدولارات" وبقاء العمل بقانون رقم (14) لسنة (1961) لا يمكن بحال من الاحوال ان يحقق الحفاظ على ذلك المورد الوطني الكبير، وهذا بالضرورة يتطلب بالإضافة لتعديل القوانين أن يرأس تلك المؤسسة شخصية تتمتع بتاريخ محترم وقادرة على اتخاذ القرار وذات خبرة ومؤهلات علمية تجعل منها سدا منيعا أمام أي تدخلات أو تجاوزات وقادرة على تحقيق الإنجازات.

ثالثا: تعيين قضاة "تسوية، تسجيل جديد، أملاك دولة " من أهل الاختصاص وأصحاب خبرة ما يسهل حل الخلافات والمشاكل المتعلقة بالأراضي بسرعة وشفافية تضمن معها حقوق الناس والحفاظ عليها من خلال مرجع قضائي مختص، ويساهم مثل هكذا طرح أيضا في حل أزمة النقص بعدد القضاة، وفي هذا الصدد وحتى لا نزيد العبء على كاهل الموازنة العامة وتحقيق الاهداف المرجوة بما هو ممكن أقترح على الحكومة وبالتنسيق مع الجهات القضائية ذات الاختصاص ووفقا للصلاحيات الممنوحة لهم الاستفادة من الكادر القانوني العامل في قطاع الاراضي وخاصة سلطة الاراضي واسناد تلك المهمات لهم ما يحقق الاهداف التي تسعى الخطة الاستراتيجية الوطنية للوصول اليها ودونما اي تكلفة للخزينة.

رابعا: اعداد هيكليات جديدة يقوم عليها "الجسم القانوني الموحد لقطاع الاراضي" يخدم مصلحة العمل من خلال وضع الكفاءات بالمكان المناسب، اذ من المعلوم ان سلطة الاراضي والقطاعات الاخرى ذات العلاقة بها كفاءات وخبرات قادرة على بناء مؤسسة وطنية قوية تحقق الاهداف التي وجدت من أجلها، ويكون ذلك من خلال سياسة التدوير وتبادل الخبرات وورشات العمل والمؤتمرات، وتفعيل بند الكفاءات وتخصيص علاوات خاصه للعاملين بهذا القطاع تتناسب وطبيعة عملهم، اذ من المعلوم ان تحقيق اي هدف عام تسعى له الحكومة مرتبط بإشباع حاجات الموظف والذي يعتبر اللبنة الأولى لنجاح أي خطة، ولا يخفى على الجميع خطورة وأهمية العمل بهذا القطاع والذي يعتبر العمل به أخطر من العمل بهيئة الفساد أو سلطة النقد أو حتى القضاء مع أهمية تلك المؤسسات التي تتقاضى رواتب أقل ما تستحق ولكن هناك من يستحق أقل هذا الاستحقاق ولذات المبررات والاسباب.

خامسا: انشاء نظام الكتروني موحد من خلال استحداث شبكة موحدة ما بين جميع المؤسسات العاملة بهذا القطاع ما يضمن الحد من عمليات التزوير والتسريب، ويكون ذلك من خلال ربط الشبكة ما بين كتاب العدل بالمحاكم الفلسطينية والسفارات وسلطة الاراضي وكل الجهات ذات العلاقة والصلاحية، وكل ما يحتاجه الامر بهذا السياق اهتمام وزارة الخارجية والتواصل مع القضاء والاراضي لوضع خطة وآلية للتنفيذ الفوري خاصة بعدما اصبحت دولة فلسطين جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الدولية والاتفاقات والمعاهدات التي تكفل لها تنفيذ خططها بحماية ودعم دوليين.

سادسا: وضع خطة استراتيجية لقطاع الاراضي تحاكي الخطة الاستراتيجية الوطنية ورسم السياسات القادرة على الحياة بناء على الامكانيات المتوفرة أو الممكنة ويكون ذلك من خلال خطة تنفيذية قائمة على الرؤية والرسالة التي تسعى الحكومة والمؤسسة لتحقيقها وتجسيدها لواقع ملموس.

سابعا: اعادة تنظيم سوق العمل بالأراضي من خلال تنظيم القطاع الخاص العامل بهذا الميدان واشراك نقابة المحامين والمساحين بصياغة منظومة قادرة على ضبط العمل بهذا القطاع من خلال تفاهمات وشراكة مبنية على قوانين وأنظمة والاهم ارادة وطنية صادقة.

ولما كانت الارض رمزاً للانتماء والعزة والفخر والكرامة، فهذا يعني ان حق امتلاك الاراضي والعقارات والمحافظة عليها وحمايتها ضد أي خطر أو عدوان داخليا كان أو خارجيا، والمساهمة في محاربة الفساد ضرورة وطنية ملحة كل ما تحتاجه ارادة وطنية صادقة وقرارا سياسيا جريئا لبناء وزارة دفاع بجاهزية فلسطينية، وليس أدل على هذا الطرح الا ذلك النموذج المصغر حديث النشأة والذي أطلق عليه "هيئة تسوية الأراضي والمياه" والذي جاء بإرادة وطنية وبدعم محلي وبتوجيهات فخامة الرئيس ودعم رئيس الوزراء ليحقق ما عجز عنه التمويل الخارجي، وليبرهن أن بالإمكان نجاح أي فكرة وطنية متى كان يقودها مخلصون ومنتمون وأصحاب خبرات وأفكار خلاقة، فلا يخفى على أحد أن سعادة القاضي موسى شكارنة استطاع وبجهود العاملين معه من الجنود المجهولين وبدعم القيادة وتوجيهات دولته تحقيق انجازات على الارض لم تكن لتنجح لولا الإدارة المصحوبة بإرادة "كل ما تملك ذات الامكانيات المتواضعة التي كان يملكها الاخرون"، ولكن استطاعت ان تسخرها وتنظمها وتعيد صياغتها بما يحقق النجاح وتجاوز العقبات والمطبات والمعيقات والتي لا يخلو طريق نجاح منها.

وفي هذا السياق أختم بكلمة حق وانصاف بان سلطة الاراضي وهي المؤسسة الأم، استطاعت وعبر العشرين عاما التي مضت أن تصمد وتستمر بالعمل والعطاء، رغم قلة الامكانيات والاهتمام وغياب الخطط والبرامج عنها و/أو تغييبها "لا أعلم " !!!! وأدعي أنها استطاعت وبجهود فردية ولغياب العمل الجماعي والرؤية الواضحة القيام بالحد الأدنى من المهام الموكل لها وحمايتها من الاحتلال والعابثين والفاسدين، بالرغم من الثمن الكبير الذي دفعه المخلصون والمنتمون لعملهم ووطنهم وكل حلمهم كان الوصول لتلك اللحظات التي تقف المنظومة بأكملها موحدة تحت عنوان الكفاءات لا الولاءات والمجاملات.

نتمنى أن تشكل تلك الكلمات مقدمة يستفاد منها ويبنى عليها وصولا لما هو أفضل للوطن والمواطن، مكللين بالتفاؤل بتدخل دولتكم شخصيا وللمرة الأولى والذي يشكل بنظرنا نقطة انطلاق قوية وقفزة نوعية لها ما بعدها، ودلالة على الجدية والسعي لحماية أهم عناصر السيادة الفلسطينية والركيزة الأساس لبناء دولة المؤسسات القادرة على مواجهة التحديات على أرض صلبة معمدة بدماء الشهداء ومجبولة بتضحيات شعب اختزل نضاله بالأرض ليبقى عنوان عزة فوقها أو شهيدا حيا يسكن باطنها ليعانق سماء الحرية، فالأرض تستحق منا ومنكم ومن سيادته فلا تبخلوا عليها، فهي الحضن الدافئ والحامي للمشروع الوطني الفلسطيني.

*المستشار القانوني