نبض الحياة - نتنياهو يتحدى العالم
عمر حلمي الغول
تعهد نتنياهو في الذكرى الخمسين لاحتلال اراضي دولة فلسطين بأنه لن "يزيل مستعمرة استيطانية واحدة" فيما سماه "أرض إسرائيل" و"أرض الآباء"، وأضاف رئيس وزراء إسرائيل "أن الاستيطان مهم لكم أيها الأصدقاء الأعزاء، بقدر ما هو مهم لي، بالتالي أقول قبل كل شيء وبشكل واضح: لن تتم إزالة أي مستوطنات في أرض إسرائيل مستقبلا." وعمق رفضه للسلام، والتشبث بالاستيطان الاستعماري بالقول "إن إزالة المستوطنات ليست الطريق لإحلال السلام،" معتبرا "أن الانسحاب الإسرائيلي من أراض احتلت خطأ لم يجلب سوى "الإرهاب" والصواريخ"؟!.
والأخطر مما تقدم حين أكد لقادة المستعمرين في مكتبه ظهر يوم الأربعاء الماضي "إنه تمكن من إقناع الإدارة الأميركية بإزالة التمييز بين الكتل الاستيطانية والمستوطنات المعزولة عن الطاولة." وأكد لقادة المستعمرين في ذات اللقاء "أنه ما لا يمكن بناؤه اليوم سيكون ممكنا بعد ثلاثة شهور." أضف إلى انه وعدهم ببناء 3000 آلاف وحدة استعمارية في مستعمرات القدس والضفة حسب موقع عرب 48.
كل ما تقدم بالنسبة لأي مراقب لا يحمل جديدا سياسيا. لا سيما ان أركان الائتلاف اليميني المتطرف الحاكم في إسرائيل ومنذ تولى سلطاته، وهو يؤكد على خياره الاستعماري، ويرفض خيار السلام، ويعلن إصراره على وأد وتصفية القضية الفلسطينية، وتبديد حقوق الفلسطينيين السياسية. وبالتالي ما ذكره نتنياهو، إنما هو تكريس لخيار وبرنامج الائتلاف الاستعماري، وفيه نكوص وإدارة ظهر وتحدٍّ للعالم ولمواثيقه وقوانينه وقراراته المتعلقة بالسلام. ولولا تساهل وتراخي السياسات الأممية لما تغول رئيس حكومة إسرائيل في خطابه السياسي وانتهاكاته للشرعية الدولية ومعاييرها.
والأنكى من ذلك، ان نتنياهو أعلن بالفم الملآن أمام قطعان المستعمرين، أنه توافق مع ممثلي الولايات المتحدة على إسقاط اي تمييز بين الكتل الاستعمارية والمستعمرات المعزولة، واعتبارها "تمثل الامتداد الطبيعي لأرض إسرائيل، ومصالحها الأمنية"، وهذا بالضبط ما عكسه السفير الأميركي في تصريحه الخميس الماضي، وهو ما يؤكد ما ذهب إليه رئيس الحكومة الاستعمارية. الأمر الذي دفع الخارجية الأميركية للرد على سفيرها فريدمان، الذي اضطر وزارته خلال اقل من شهر للرد عليه مرتين، ورفض ما طرحه، حيث أكدت هيذر ناورت، ان ما ذكره فريدمان لا يمثل الموقف الرسمي لأميركا وإدارتها. وهو ما يكشف مجددا عدم أهلية السفير المستعمر الصهيوني. ويشير إلى الدور الخطير الذي يلعبه في تخريب وتعطيل خيار السلام وحل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967. وهذا الموضوع يحتاج إلى معالجة خاصة واوسع، وليس الإشارة إليه فقط.
إذا نتنياهو بتعهده لقطعان المستعمرين بما ورد اعلاه، انما أكد على ما جاء في خطاب الرئيس محمود عباس في الأمم المتحدة، حين شخص الواقع القائم في الأرض الفلسطينية من خلال لفت نظر العالم إلى اضمحلال الأمل في بلوغ حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 نتاج التغول والتوحش الاستعماري الإسرائيلي، الذي لم يقتصر على الخطاب الإيديولوجي والتصريح السياسي او الديني إنما يتعمق كل يوم من خلال فرض الوقائع على الأرض مع تنامي وزيادة وتوسع قطعان المستعمرين والمستعمرات على أرض الدولة الفلسطينية، والخنق التدريجي لها، والحؤول دون بناء ركائز السلام والتعايش بين دول وشعوب المنطقة.
وما يجري على ما يبدو ليس بعيدا عن مخطط ما يسمى الحل الإقليمي، الذي يعتبر الدولة الفلسطينية في قطاع غزة مع توسع في الأراضي المصرية تجاه العريش، أي العودة لمشروع يعقوب عميدرور، واما الضفة فستكون عبارة عن كانتونات متفرقة قد تتبع للدولة المركزية في غزة او تتبع للكونفدرالية مع الأردن او تخضع لحكم ذاتي محدود جدا، مع تنظيم العلاقة عبر نظام اللامركزية بين الجزر المتناثرة من السكان في المدن الفلسطينية.
بتعبير آخر لن تسمح إسرائيل بإقامة الدولة الواحدة، لأنها ضد هذا الخيار، كونه يهدد بقاء إسرائيل كدولة "يهودية"، وفي ذات الوقت ترفض وتقتل خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 67. والنتيجة تعمل إسرائيل على قتل روح السلام والتفاؤل بالتعايش، وتعظم دور ومكانة خيار الاستعمار والحرب، وتكرس سيادة منطق ارهاب الدولة المنظم. وهنا على العالم ان يقف ويفكر مليا بما ستؤول إليه المنطقة. وبالتالي يتحمل مسؤولياته التاريخية والأخلاقية والسياسية لإخراج المنطقة والشعبين الفلسطيني والإسرائيلي مما تعد له حكومة نتنياهو من أخطار ستصيب الإقليم والعالم ككل بشظاياها.