بعد ثلاثين عاماً.. مسرحية "رجال بلا ظلال" تعود من جديد

بين تفاصيل الظلام، هناك بقعة من ضوء نرى خلالها شاب يجلس وحده على خشبة المسرح، كانه ينتظر لحظة البداية لينطلق بسلاحه وجنوده إلى ساحة المعركة، يخرج رجل وامراة من طبقة مختلفة تماماً عن هذا الشاب، يلبسونه اللباس العسكري، ويسلمونه سلاحة ، وكاللعبة يبدأ الجندي بالرقص مع سلاحه على جثث الموتى، وهنا يعود بنا التاريخ إلى الماضي المقيت، عندما كانت النازية تنتشر كالوباء في انحاء و اجزاء من اوروبا والعالم .
ليعود الظلام مرة اخرى ، ونسمع اصوات اقدام الجنود في كل مكان، لتدوي صرخة اناس تم القبض عليهم ووضعهم في سجون الاحتلال، وهنا تبدأ حكاية مسرحية "رجال بلا ظلال" للكاتب والفسلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر في عام 1938أصدر سارتر اولى قصصه الطويلة "الغثيان" حيث عكست الحالة التي المت بأبناء فرنسا في ذاك الوقت عندما كانت الحرب العالمية الثانية على الابواب، وبعد أن استسلمت فرنسا للنازية ، اوضح سارتر بكتاباته نهوض الأمة الفرنسية بأسرها لمقاومة الألمان ابان الحرب العالمية الثانية، و كان تفكير سارتر في هذه المرحلة يتسم بالحزم والشجاعة، خصوصاً بعد أن انهى خدمته العسكرية وعانى الأسر، فقد قضى بعض الوقت في سجون المعسكر الألماني، ثم هرب إلى باريس وهناك شارك مع المقاومة الشعبية .
وكأن التاريخ يعيد نفسه، في عام 1987 كانت الانتفاضة الأولى تدق الابواب، فقد امتلئت السجون الإسرائيلية بالأسرى الفلسطينين، وبدأت الحكايات تكتب والاغاني تسجل قصص صمودهم في وجه المحتل .
وهنا يقول سارتر " حتى يتمتع الإنسان بقدرة عالية على الصمود، عليه أولاً أن يكون حراً في اختياره، و أن يحقق هذه الحرية بأعماله، ومشروعاته، وصدقه مع نفسه ومع الناس "
وقد وجد المخرج "جورج ابراهيم" في هذه المقولة مادة غنية للعمل، وبناء على ذلك تعاقد انذاك مع مخرج شاب "مازن غطاس" الذي قد أنهى دراسة الإخراج المسرحي في الإتحاد السوفيتي. وسخر نفسه لإنتاج مسرحية "رجال بلا ظلال " . في العرض الأول انذاك استقبلها الجمهور استقبالاً كبيرا مما دفع بالمخرج إلى اتخاذ قرار بضرورة التجوال بها في كافة مدن الضفة الغربية ومدن الجليل، بالاضافة إلى المشاركة بعدة مهرجانات عالمية.
بعد ثلاثين عاما تعود مسرحية "رجال بلا ظلال" لتنفض الغبار عن تاريخ الماضي الذي مازال في قلوبنا وحياتنا حاضر حتى الأن، وتقف من جديد مع جيل جديد عاش الامريين، ومازال يعاني من الانتفاضة الاولى والثانية، وما ترتب عليها، فمازال الاحتلال جاثما على أرضنا، وفي قلوبنا، حيث رسمت الحواجز في عقولنا، ورسخت في قلوبنا، وزادت من حولنا، اما عن سجون الاحتلال فحدث ولا حرج ، اطفال في عمر الورد، رجال انتهت حياتهم في سجون الاحتلال، ومازال يقبعون هناك ينتظرون النصر أو الشهادة ولا يقبلون بالاقل .
ومن أجل احياء ذكرى مخرجها السابق " مازن غطاس" قرر "جورج ابراهيم" أن يبقي بعض اللمسات الإخراجية التي كانت في ذلك الوقت وايضاً تم استعمال نفس الموسيقى التي الفها خصيصا لهذه المسرحية انذاك وهو الموسيقي "نبيل عازر" .
قام باعداد المسرحية "مازن غطاس"
تمثيل :
ميس عاصي في دور لورا، عمر سويطي في دور هنري، سليم النبالي في دور فرانسوا، أوس الزبيدي في دور سوربيه، منذر بنورة في دور جان، جورج ابراهيم في دور كلوشيه، ملك ابو غربية في دور لوسي .
وقد تم عمل العرض على خشبة مسرح وسينماتك القصبة، حيث تم دعوة رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينيين عيسى قراقع، الذي اعجب جداً بالعرض وقد قام بتقديم شهادة التخريج لطلاب الفوج السادس في اكاديمية الدراما "عمر السويطي و ميس عاصي " هذا وقد تم دعوة 150 أسير فلسطيني محرر لحضور عرض الإفتتاح، مع العلم أن المخرج "جورج ابراهيم قد أكد على اهمية استمرار هذه الاعمال، و أن المسرح بحد ذاته هو اسلوب مقاومة لذلك يجب أن يصرخ المسرح من جديد بصوت عالي ليثبت أن القضية مازالت موجودة وأن المسرح مازال يقاوم . ونعود بذلك الى المقولة السائدة دائماً" اعطيني خبزاً ومسرحاً، اعطيك شعباً مثقفاً".
مواضيع ذات صلة
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن