عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 11 أيلول 2017

قراءة جديدة لاتفاق اوسلو

باسم برهوم

اليوم، وبعد مضي 24 عاماً على توقيع منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل على اتفاق اعلان المبادئ – اتفاق اوسلو (13 أيلول/سبتمبر 1993)، اصبح من الضروري التعامل مع هذا الاتفاق وتقديمه بمنطق مختلف، غير ذلك السائد حتى الآن، فالسائد من التعامل، كان ولا يزال اما أن يستخدم الاتفاق كمادة للهجوم على المنظمة والسلطة الوطنية دون اجراء أي تقييم موضعي، او يتم تبنيه كما وكأنه اتفاق سلام قابلاً للتحقيق.

فبعد مضي كل هذه الزمن، وبعدما آلت إليه امور الاتفاق وما نجم عنه من وقائع على الارض، تبين لنا ان الاتفاق لم يكن سوى محطة من محطات الصراع، وليس حلاً له، لأنه لو كان حلاً فعلاً لكان واقعنا وواقع الشرق الأوسط كله اختلف اليوم.

لذلك ما نحتاج اليه هو الاجابة على سؤال، كيف تحول هذا الاتفاق من اتفاق سلام ليصبح محطة من محطات الصراع؟ بالتأكيد هناك مجموعة من العوامل والاسباب التي أدت الى هذه التحول أهمها:

أولاً: طبيعة الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، هو صراع وجودي، صراع على المكان وعلى الرواية التاريخية للمكان، لذلك فإن الانتقال من حالة نفي الآخر ونفي وجوده كان امرا صعبا، وكان بالنسبة للجانب الاسرائيلي أمراً مستحيلاً، لسبب بسيط ان أي نقض للرواية الصهيونية، او تنازل عن جزء منها اما يعني سقوطها كلها وانتهاء مفاعيلها.

ثانيا: جاء الاتفاق في لحظة تاريخية، اعتقد خلالها الطرفان، انها تمثل فرصة انقاذ من مأزق وجد نفسه فيه..!!! كيف؟ هناك ظرف موضوعي واقليمي ودولي نشأ في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات من أبرز معالمه، انتهاء الحرب الباردة بانهيار المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي، هذا المعسكر كان حليف منظمة التحرير والشعب الفلسطيني. بروز نظام دولي جديد تقوده الولايات المتحدة الاميركية منفردة، هذه القيادة فرضت نفسها بشكل واضح في حرب الخليج مطلع عام 1991، منظمة التحرير ولأسباب عديدة وجدت نفسها مع الطرف الخاسر دولياً واقليميا.

بالمقابل اسرائيل كانت تواجه انتفاضة شعبية فلسطينية، أدركت من خلالها انه ليس بإمكانها السيطرة على شعب أخر، فبدأت تفكر بطريقة تتخلص خلالها من مسؤوليات السيطرة على الشعب الفلسطيني،  مقابل الاحتفاظ بأوسع رقعة جغرافية من الأرض، تماماً كما هو جوهر المشروع الصهيوني.

اسرائيل أيضاً، وبعد انتهاء الحرب الباردة كانت متخوفة أن يؤثر ذلك على دورها الاستراتيجي في المنطقة، وامكانية ان يتقلص الاعتماد الغربي عليها.

ثالثاً: توصل الطرفان وبعد صراع طويل ومكلف بأنه لا يمكن الاستمرار بمقولة نفي الاخر ووجوده نفياً تاماً، لذلك كان لا بد أن ينتقل خلالها الصراع  الى مرحلة جديدة ، ليعترف خلالها كل طرف بالآخر دون ان يعني ذلك نهاية للصراع.  ومن هنا جاء اوسلو في لحظة تاريخية فرضت ضرورتها على الطرفين، فوقعا الاتفاق، مع معرفة كل طرف وفي قرارة نفسه - وهذا ما اثبتته المراحل اللاحقة بأن الاتفاق هو مجرد محطة من محطات الصراع، يمكن أن يؤدي الى سلام لمرحلة ما لكنه لا ينهي الصراع.

 وبغض النظر فإن ما يجب ملاحظته هنا، وبعد مرور 24 عاماً أن الصهيونية العالمية هي من ادركت مبكراً ان اوسلو مشكلة لإسرائيل وان حل لها بعضا من مشاكلها، بالرغم، ما تضمنه الاتفاق من تنازلات فلسطينية مؤلمة، والسبب،  هو إدراكها  أن الاتفاق ينسف عملياً روايتها ومشروعتها، لذلك هي اغتالت وقتلت من وقع عليه من الطرفين رابين وعرفات. وبدل من ذلك قامت بتنشيط مشروعها التوسعي الاستيطاني بأبشع صوره.

الجانب الفلسطيني رأى في أوسلو، وفي نهاية المطاف انه اعاد لفلسطين اكثر من نصف مليون مواطن، وانه خلق واقعا على الارض من شانه ان يمد الشعب الفلسطيني بعوامل للصمود والبقاء.

فالواقع يقول اذن ان اتفاق اوسلو هو محطة من محطات الصراع وليس حلاً له، لان الحل الحقيقي والذي يقود الى سلام حقيقي يتطلب شروطا وظروفا موضعية مختلفة، وميزان قوى مختلف، وواقع فلسطيني واسرائيلي وعربي ودولي مختلف.