عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 10 أيلول 2017

تغريدة الصباح - من دفتر الذكريات

حنان باكير

فقدت منذ سنوات قليلة، شهيتي للسفر ومشاهدة الأماكن الأثرية والتعرف على أماكن جديدة. ربما كان للعمر دور يلعبه في هذا التحوّل. وصرت أميل الى زيارة أماكن لي فيها أصحاب قدامى، وصارت جلسات البيت الحميمية معهم هي الأجمل. نستعيد أزمانا لن تعود، شقاوة طفولة ورعونة شباب مبكر، غير عابئين كيف سترسم الأقدار مصائرنا.

الفيسبوك على كثرة مساوئه غير المحتملة أحيانا، ندين له بتقريب الأزمان واختصار المسافات، عبر صفحاته، فيعيد وصل ما انقطع من وصال وعلاقات. العكاوية شهلا الداموني، جارتي وابنة صفي. تجاورنا في حي المنشية سنوات طويلة، علاقة عائلتينا قديمة، تمتد الى الزمن العكاوي، و"السيران" على الشاطئ الغربي لبحر عكا، وسينما الأهلي، وحديقة البهجة.. هي عصر ما درجنا على تسميته، قبل نكبة الـ 1948.

بعد خمسين سنة، جمعنا الفيسبوك. والتقيت صديقتي شهلا، في أبو ظبي. محونا زمان الانقطاع، والمسافات التي باعدت بيننا. سرنا في طرقات برج البراجنة وأحيائها. وأحيينا الأموات من رقادهم، بالأسماء وبصورهم المرتسمة في مخيلتنا. ومقالب اشتهرنا بها.

كان لصديقتي أخت، عرفت بجمالها الباهر. عندما أرتني أحدث صورة لها، تمنيت لو لم أر ما تفعله السنون بنا. كان لتلك الصبية الجميلة، زوج يعمل في بلد عربي. وكانت شهلا تأتيني كل يوم وفي يدها رسالة، الى الزوج المسافر، وتطلب مني مرافقتها الى مكتب البريد لإرسالها. بعد مدة، تساءلنا: ماذا تكتب في تلك الرسائل اليومية! وهل الكلام بينهما لا ينتهي، وماذا تخترع من أحاديث!

قررنا ذات يوم فتح الرسالة. ولكن كيف نتمكن من ذلك، دون الإخلال بغلافها. قمت بكيّ الغلاف بمكواة ساخنة جدا، ساعدتنا على فتحها. كانت الرسالة، فقط أغنية عبد الحليم حافظ الجديدة آنذاك "جواب"، وبدايتها، نور عيني، روح قلبي حبيبي حياتي، مشتاق لعنيك مشتقلك...". وفي نهايتها "وختاما لك ألف سلام ومحبة وأشواق وغرام من قلب لا يهدى ولا ينام... قلب حبيبك".

أخذت قلما، غير آبهة باختلاف الحبر والخط، وأضفت كلمتين فقط، فصارت الجملة " . من قلب لا يهدى ولا ينام إلا في الليل.."! انتظرنا لفترة ردّة فعل ما، قد تكون توبيخا شديدا. وهذا ما لم يحدث!

ومما استذكرته، كيف تحولتُ بين ليلة وضحاها، الى "فيثاغورس" في مادة الرياضيات. فقد كنت وما زلت عدوة لدودة للأرقام. وما زالت تثير بي الإرباك والتوتر. وحفظي لجدول الضرب، كان صما ومجردا، وليس له في واقعي تأثير يذكر.

لم يغفر لي تفوقي في باقي المواد الدراسية، تقصيري الشنيع في تلك المادة اللعينة، التي كانت كابوسي. ذات يوم تحدث معي أستاذ الرياضيات، الذي كانت تعجبه شخصيتي، وليس كسلي في مادته. قال بان اجتهادي في كل المواد، لن يضمن نجاحي في البكالوريا الحكومية، ما لم أحصل على الحد الأدنى في مادة الرياضيات! ولم يطلب مني أن أكون " فلتة زماني"، ولكن لا أكون تحت المعدل بشكل شنيع! وعدته خيرا..

وفي امتحان آخر السنة، طلبت من زميلي "جعفر جلول" رحمه الله أن يغششني قليلا، لأحصل على الحد الأدنى من العلامات. وزميلي جعفر كان معروفا بذكائه الخارق في مادة الرياضيات. وأبدى كل استعداد للمساعدة.. بعد أن غشّيت السؤال الأول، أردت تسليم ورقتي، لكنه ألحّ علي بالمتابعة، فقد تكون "المسألة غلط".. وهكذا استدرجني في عملية الغش كاملة، وحين هممت بتسليم الورقة، قال لي: انتظري.. فهناك خطأ في السؤال الأخير، وسوف أقوم بتصحيحه، فرفضت، وفرحت للخطأ، وتمنيت خطأ آخر، فالكذبة تظهر من كبر حجمها! وكانت النتيجة، أن ما اعتبره خطأ وقام بتصحيحه في ورقته، لم يكن كذلك، واستبدل الصح بالخطأ.. وحصلت أنا على علامة كاملة، وتفوقت على زميلي فلتة الرياضيات والأرقام!