من بيدر الحياة - مســـاء....!
عبد السلام العابد
أجلسُ في حقلي، وقد غابت الشمسُ وراء الأفق البعيد...نسائمُ لطيفة منعشة بدأت تسري من جهة الغرب، حاملة معها بعض رطوبة من بحر حيفا القريب. الجسمُ بدأ بتخلص من حرارته، والعرقُ يجفّ شيئا فشيئا...فيما مشت برودة منعشة في الأوصال المكدودة...
المساء يقترب، والعتمة بدأت تقتحم المكان الجميل. أرسلُ ناظريّ إلى الجهات الأربع، فأجد أنّ الاستعدادات قد أصبحت جاهزة لمقاومة جحافل العتمة الغازية...الأنوار تسطع من كل مكان..من جنين، وضواحيها وقراها التي أصبحت متواصلة مع بعضها..من مدينة ناصرة اليسوع..عيسى المسيح عليه السلام..من القرى الصامدة على شاطئ مرج ابن عامر الوسيع..من القرى المعلقة على جبال الجليل الأشم. يا إلهي، ما أجمل هذه البلاد!! وما أعظم قدسيتها!!. سيدنا المسيح مر من هنا، انطلق من الناصرة عبر هذا المرج الواسع، وانطلق نحو جنوب البلاد.
عن مدينته الجميلة، قال أديبنا المرحوم محمد عبد الخالق: إن للناصرة رائحة لا تموت"، وكتب تحت هذا العنوان سيرة ذاتية رائعة عن حياته في مدينته وخروجه الدامي الحزين منها.
ها هي الناصرة عامرة ببيوتها ومواطنيها الذين لم يغادروها..بل ظلوا مقيمين فيها..صامدين في أرضهم وديارهم التي عشقوها.
أرى الناصرة أمامي مضيئة..مترامية الأطراف، تحرس الجبال والسهول، والأشجار..والأحلام، فتعتريني مويجاتٌ من الفرح والحبور، وأتذكر ابن هذه المدينة العزيزة..شاعرَنا المرحوم توفيق زياد الذي ظل صامدا فيها..يقاوم مع شعبه..يتحدى..ويتغنى بنضاله..وجمال وطنه. أتذكر قصيدته:
أنا من هذه المدينة، من حواريها الحزينة// من شرايين بيوت الفقر// من قلب الثنيات الحصينة// عبقُ التاريخ والنخوة منها والكرامة// واسمُها شامةُ عزٍّ وشهامة// هي أمي.. هي أبي.. مهدي ولحدي //بيتي الدافئ // شمسي... قمري... // وطني الأصغر... وطني الأغلى... وعنوان التحدي...
وتحضرني قصيدته الممتعة التي يقول في بعض أبياتها:
ودارت يد السجان بالمفتاح....تغلق كل باب....إلا بقايا كوة....من خلفها تبدو الروابي....ويلوح وجه الكرمل المخضوب...برقع بالضباب....الفجر فوق جبينه المعتز كالعاج المذاب...