رفيقة بحر
الواثق طه

أحتاج الدهشة رفيقة فاسقة في رحلة السؤال، أحتاج أظافرها في ظهر حيرتي، وأسنانها كلما أنشبتها في صدر الركود، أحتاجها عشيقة عصية صوتها يثير رغبة البحث وشبق التمرد على المتاح... فتحرّضُ فيّ بالجموحِ شهوة الحياة، وتشعل داخلي بقبلة الجديدِ وإغراء المعصيةِ لإرادة أنماطٍ تَجرّنا لعبودية الوقت الرتيب في استنساخه وجوهنا.
أحتاج جنونها دهرًا تستقطع منه السطورُ وقتَ حضورها إليّ بحبرٍ يتحفز في دمي، بينما الجملُ ترقص سرًّا على خيط ضوء يغازل في رأسي شعرة بيضاء فرّت من مراقبة الوقت، فتثير مجون اللغة والعاطفة وشيئا من أرق الفكرة على صدر الورق... كيف لا أكتب على فضاءِ الحيلةِ إذًا خطتي لمضاجعة الوقت، واحتساء المغامرة من كأس التجربة؟ وكيف لا أكون ضابط الإيقاع للحن الشعور حين ينساب إلى أذن قلم دسّ رأسه في حضن سطر يشكو الوحدة والأرق؟
أعترف بحنين الموتى لتوأمٍ أنثى شاركتني رحم أرضٍ ولَدَتها شجرة ليمون يوم قبضت عليّ إرادة الوجود، وأختٍ زيتونةٍ، أرضعتها أمي دمعتين وقبلة حب على قبر أبي منذ اختار النوم في حضن المطر، مُذ صار لي في تابوت الوقت بضعٌ وثلاثون سنة نثرتها في طريقٍ من كبرياء الريح المُهاجرة إلى الأغصان البعيدة، هناك حيث تُظللُ الحكمة وعيَ المخاطرة، وما ضيرُ المغامرةِ مُقامرةً ولي في أوراق السماء سطرٌ كتبتُه منذ حين على ورقة فريدة من يقين: لا أصالة في المعنى إن كبّلته الحدود... حتى يكون لأثر الليمون في ذائقة الوقت مغزىً حين يُسكب زيتُ الهدوء على الفكرةِ من قُبلة حب تضرب موجَ البحر بالجنون.
هل لمستَ روح البحرِ يومًا أو لامس أروَحُ موجه جنبات كيانك؟
البحرُ صيغةٌ أخرى، تتلاطمُ في هيبتها احتمالات الوقوف على رأس الهدوء الماكر قبل العاصفة، والبحرُ حريةٌ نرجسيّةُ الطبع، يجمحُ بلا مأوى، بلا جدران، بلا مراثيَ على بقايا الأموات... إنّ للموج المضطرب غضبَ الحكمةِ في نحت الوقت بيد الصبر.
البحرُ لا يصارع الصخور، بل يهوي بالمغامرة على جذوع الجبال في نشوةِ ريحٍ سوداء على كفّ موجٍ هزم الوقت الضائع ورحل إلى البعيد بلا صخب.... أجرّبت أن تكون مثلي بحرًا يسافر بلا وجه للقلق؟
لست ورقة في مقامرة البوكر، ولا وجها للنرد يغيب كلما تدحرج إلى حجرة في طاولة الروليت، لست مكيدة في عصا لاعب الخفة، أو مكرًا نسائيا في أحمر شفتين يبحث عن النزق، لست قطعة الثلج في كأس عرق ناولها النادل لمصاب بالشبق...
ولو اخترت أن أكون أمرا فلن يكون سوى رأس قلم، أو نصل سيف أو حبرٍ في وريد دعابة تسخر من العجز... لست ساعة في رزنامة الوقت، ولا فصلا في رواية أحد... فانا النقطة في كل متن، وفاصلة بين الأشياء حين تحتدم الحكاية على الورق، هكذا البحرُ، فهل أدركتَ عقله؟
ستّ دقائق تسبق نحيب الريح، وصراخ الموج على مصرع الخطيئة بيد السلام... سلام البحرِ المُسافرِ على دهشة الحياة كُلّما تُثيرُ رفيقتي شهوة الحبر للورق
مواضيع ذات صلة
أنا ولغتي
فلسطين في معرض القاهرة للكتاب... الثقافة جبهة موازية للنضال الوطني
معرض القاهرة للكتاب... الكتاب ما زال هنا
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن